بين الخوف والكره… كيف أُخذ لبنان رهينة؟

بقلم: د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

في لبنان، لم يعد الانقسام مجرّد اختلافٍ في الرأي، ولا حتى صراعاً سياسياً قابلاً للحل، بل تحوّل تدريجياً إلى بنيةٍ نفسيةٍ عميقة تتحكّم في سلوك الناس، وتوجّه خياراتهم، وتقيّد مستقبلهم.

نحن لا نعيش فقط أزمة نظام، بل نعيش أزمة ثقة وذاكرة وهوية، حيث لم تُنهِ الحرب الأهلية اللبنانية آثارها فعلياً، بل أبقت هذه الحرب آثارها حيّة في النفوس، ونقل المجتمع هذه الآثار من جيلٍ إلى جيل، وأعاد تشكيلها في الوعي اليومي حتى عند من لم يعشها.

أوقف اللبنانيون القتال، لكنهم لم يُغلقوا الجراح، ولم يكتبوا رواية وطنية جامعة، ولم يحققوا مصالحة تُنهي هذا الانقسام العميق.

فجعلت هذه الظروف اللبناني يعيش بين ذاكرة مجروحة، وخوفٍ متوارث، ونظامٍ يُغذّي الاثنين معاً.

في هذا الواقع، لم يعد الخوف شعوراً عابراً، بل تحوّل إلى أداةٍ يستخدمها النظام لإدارة المجتمع، حيث يدفع هذا النظام

الإنسان بشكل غير مباشر إلى البقاء ضمن دائرة القلق، لأن الخوف يضمن الولاء، ويُبقي الحاجة قائمة، ويمنع الإنسان

من الخروج عن الاصطفاف ومع مرور الوقت، لا يُبقي الإنسان الخوف على حاله، بل يُحوّله إلى كرهٍ يجد له مبررات داخل ذهنه.

لا يعادي الإنسان الآخر لأنه عدوّ فعلاً، بل لأنه رسم صورته على هذا الأساس، وكرّس هذه الصورة عبر الخطاب والتجربة

والروايات المتناقلة وهكذا، يجعل هذا المسار الانقسام أكثر من سياسي، ويُحوّله إلى انقسام نفسي ووجودي،

حيث ينظر الإنسان إلى الآخر كخطر محتمل، لا كشريك في وطن واحد.

ورغم ذلك، تظهر مفارقة لافتة في الحياة اليومية، إذ يلتقي اللبنانيون في العمل، في الدراسة، وفي تفاصيل الحياة البسيطة

ويتشاركون نفس الأزمات والهموم والطموحات هذا التناقض يكشف أن الكره ليس حالة طبيعية، بل نتيجة تراكمات يمكن

تفكيكها إذا توفرت الإرادة والظروف المناسبة المشكلة الحقيقية لا تكمن في الناس بقدر ما تكمن في نظامٍ يعيد إنتاج الخوف

وطبقةٍ سياسية تستفيد منه، وواقعٍ إقليمي يجعل لبنان ساحةً مفتوحة لتقاطع المصالح.

الخوف كأداة للسيطرة وإعادة إنتاج الانقسام في المجتمع اللبناني

لا يمكن اختزال المسؤولية بجهة واحدة، لكن يمكن القول بوضوح إن كل من يستثمر في خوف الناس هو جزء من هذه الأزمة.

نظام طائفي يحتاج الانقسام ليستمر، وقيادات تخشى قيام دولة حقيقية، وتدخلات خارجية تجد في الانقسام مدخلاً للتأثير

وإعلام يضخّ خطاب القلق بشكل دائم. النتيجة وطنٌ معلّق، وشعبٌ يعيش بين هواجس متناقضة، عاجز عن الانتقال من حالة

القلق إلى حالة الاستقرار السؤال لم يعد إن كان اللبناني نائماً، بل لماذا يُعاد دفعه إلى الخوف كلما اقترب من الوعي. لقد

ظهرت محطات أظهر فيها اللبناني قدرة على تجاوز الانقسام، لكنه كان يصطدم دائماً ببنيةٍ أقوى تعيد إنتاج الواقع نفسه.

لذلك، فإن أي تغيير حقيقي لا يمكن أن يكون لحظة عاطفية عابرة، بل مساراً طويلاً يتطلّب ثباتاً وإرادة مستمرة.

الخروج من هذا الواقع لا يتم عبر الشعارات، بل عبر مواجهة السبب الأساسي: الخوف نفسه.

وهذا يتطلّب بناء دولة يشعر فيها المواطن بالأمان دون الحاجة إلى الاحتماء بأي جهة، وكتابة ذاكرة وطنية صادقة، وكسر

العلاقة بين الأمان والانتماء الطائفي، وإنتاج خطاب سياسي يهدّئ بدل أن يحرّض.

لبنان لا يُهدَّد فقط بانقسامه، بل باستمرارية هذا الانقسام كأمرٍ واقع. الخطر الحقيقي ليس في الاختلاف

بل في تحويله إلى مصدر خوف دائم عندما يُربّى المجتمع الإنسان على الخوف من الآخر، يصبح هذا الإنسان أسيرًا لهذا

الخوف دون أن يدرك ذلك ولا تُبنى الشعوب بالأوطان على الخوف، ولا تُدار بالكره، بل تُقام عندما يشعر الإنسان بأنه مواطن

كامل الحقوق لا تابع وعندما تتحول الثقة داخل المجتمع من فكرة نظرية إلى واقع ملموس وممارسة يومية.

هنا فقط يبدأ لبنان بالخروج من أزمته، لا كشعار، بل كحقيقة..

في النهاية، رسالتي إلى كل لبناني:

دع الخوف جانباً، ولو للحظة، وانظر بعينٍ مختلفة

تذكّر أن من تعتبره خصماً أو عدواً، هو في الحقيقة أخوك في الإنسانية… وشريكك في هذا الوطن.

لسنا محكومين بالخوف، ولا محكومين بالكره، بل بما نختار أن نكونه.

فإمّا أن نبقى أسرى لما زُرع فينا، وإمّا أن نكسر هذه الحلقة، ونبدأ من جديد… معاً.

ولا تُراهن على أحدٍ من الخارج، لا إيراني ولا أمريكي ولا إسرائيلي ولا فرنسي ولا روسي… ولا غيرهم،

فالدول لا تتحرّك بدافع العاطفة، بل وفق مصالحها.

ومن لا يبني وطنه بيده، لن يبنيه له أحد..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى