الزئبقي .. قصة ل : علي مقلد

انْشَقَّتْ عَتَمَةُ الفَجْرِ عَنْ هَمْسٍ وَاجِفٍ لِسَيِّدَةٍ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ إِلَى السَّاقِيَةِ، ارْتَطَمَ صَوْتُهَا بِوَقَارِ “الحَاجِّ مصطفى” وَهُوَ يلملمُ سَجَّادَةَ صَلَاتِهِ: “سَافَرَ مُعَوَّض يَا أَبَا الحَاجّ.. وسَابَ (الغُلْبَ) لِأَصْحَابِهِ وَطَارْ”.
لَمْ يَكُنْ مُعَوَّض “أَبُو دِرَاع” مُجَرَّدَ رَجُلٍ، كَانَ “زِئْبَقَ” القَرْيَةِ الَّذِي لَا يُمسَكُ، اخْتَفَى فَجْأَةً.. تَرَكَ خَلْفَهُ فَرَاغاً تَلَاطَمَتْ فِيهِ الشَّائِعَاتُ؛ قِيلَ ابْتَلَعَهُ البَحْرُ فِي قَوَارِبِ المَوْتِ، وَقِيلَ خَطَفَتْهُ “جِنِّيَّةٌ” افْتِرَاضِيَّة، وَقِيلَ إِنَّهُ صَارَ “أَمِيراً” فِي بِلَادِ “وَاقِ الوَاقِ”.
لَمْ يَحْتَجْ أَهْلُ القَرْيَةِ لِبَيَانَاتٍ رَسْمِيَّةٍ، فَقَدْ كَانَ تَارِيخُ مُعَوَّض مَحْفُوراً فِي ذَاكِرَتِهِمْ؛ يَتَذَكَّرُونَ “الرَّفِيقَ مُعَوَّض” بِقَمِيصِهِ الكَالِحِ وَهُوَ يَهْتِفُ ضِدَّ “الإِقْطَاعِ وَالتَّبَعِيَّةِ”، مُنْتَظِراً كُرْسِيّاً فِي الاتِّحَادِ الاشْتِرَاكِيِّ لَمْ يَأْتِ أَبَداً. وَحِينَ هَبَّتْ رِيَاحُ “العِلْمِ وَالإِيمَانِ”، رَأَوْهُ يَطْوِي شَالَهُ الأَحْمَرَ.. يُخْرِجُ مِسْبَحَةً طَوِيلَةً، يُوَزِّعُ صُكُوكَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ بِلِسَانٍ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا فِي “حَضْرَةِ النِّسَاءِ”.
وَصَلَتْ أَصْدَاءُ غِيَابِهِ إِلَى “شَاشَاتِ الهَوَاتِفِ”، تَحَوَّلَتْ غَيْبَتُهُ إِلَى قَضِيَّةِ رَأْيٍ عَامٍّ؛ دَشَّنَ “عُثْمَانُ وَلَدُ مُوزَة” صَفْحَةً افْتِرَاضِيَّةً تَحْتَ عُنْوَانِ: “أَيْنَ المُنَاضِلُ مُعَوَّض؟”، بِتَمْوِيلٍ خَفِيٍّ مِنَ “الهَانِمِ” الَّتِي كَانَتْ تَنْشُرُ تَدْوِينَاتٍ مُلْتَهِبَةً عَنْ حُقُوقِ المُهَمَّشِينَ، بَيْنَمَا تَصْرُخُ فِي وَجْهِ خَادِمَتِهَا الَّتِي ارْتَكَبَتْ “جَرِيمَةَ” نَقْصِ رَغْوَةِ “اللَّاتِيه”.
الفَضَائِيَّاتُ أَيْضاً اسْتَضَافَتْ وُجُوهاً مُتَنَاقِضَةً فِي المَلَابِسِ وَالأَيْدِيُولُوجِيَا، تُحَلِّلُ “ظَاهِرَةَ اخْتِفَاءِ العُقُولِ المُفَكِّرَةِ”.
وَسَطَ هَذَا الضَّجِيجِ، كَانَ “عَتْمَانُ الدِّيب” الغَفِيرُ يَمْسَحُ شَارِبَهُ باستغراب : “النَّاس كَبَّرَتِ المَوْضُوعَ عَلَى الفَاضِي.. الرَّاجِل غَايِب بِمَزَاجُه، لَكِن بَلَدْنَا بِتَاعِت حَوَادِيت”.
فِي فِيدْيُو مُسَجَّلٍ، ظَهَرَ “عَنْتَرُ الشَّهَاوِيُّ” بِلِحْيَتِهِ الَّتِي غَزَاهَا الشَّيْبُ، يُنَاشِدُ رَفِيقَ دَرْبِهِ أَلَّا يَقَعَ فِي “فَخِّ الفَهْمِ المَغْلُوطِ لِلنُّصُوصِ”، مُحَاوِلاً بِمَرَارَةٍ أَلَّا يَسْرِقَ مُعَوَّض مِنْهُ بَرِيقَ الشُّهْرَةِ الَّتِي دَفَعَ ثَمَنَهَا سَنَوَاتٍ خَلْفَ القُضْبَانِ… بَيْنَمَا كَانَتْ “سُوسو الشَّمَنْدُورَةُ” تَضْحَكُ بِتَهَتُّكٍ: “دَفَاتِرُ مُعَوَّض عِنْدِي.. وَالصَّبْرُ طَيِّب .
مَالَتِ الشَّمْسُ لِلْمَغِيبِ، فَشَقَّ السُّكُونَ صَوْتٌ جَهُورِيٌّ لِرَجُلٍ بِمَلَامِحَ قَاسِيَةٍ، يَحْمِلُ بُنْدُقِيَّةً قَدِيمَةً تَتَدَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ. تَوَقَّفَ فِي قَلْبِ “النَّجْعِ” وَهَتَفَ بِصَوْتٍ زَلْزَلَ الأَبْوَابَ:
“أَنَا مَسْعُود.. وَشُهْرَتِي (الغُلْبُ).. وَلِي حَقٌّ عِنْدَ مُعَوَّض؛ ثَمَنُ فَرْشِ حَشِيشٍ مِنْ سَنَةٍ.. هَاتُوا لِي حَقِّي، وَإِلَّا وَدِينِي بُكْرَة أَجِيب لَكُمْ خَبَرَهُ”.

سَكَتَ الجَمِيعُ. سَقَطَتْ هَيْبَةُ “المُنَاضِلِ” وَ”الشَّيْخِ” وَ”الرَّفِيقِ”، وَبَقِيَ “الغُلْبُ” الحَقِيقِيُّ وَاقِفاً فِي المَيْدَانِ، يُطَالِبُ بِثَمَنِ الغِيَابِ .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى