بين وقف إطلاق النار وحلم الليطاني، هل تتخلى إسرائيل فعلاً عن الجنوب اللبناني؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
كلما عاد الحديث عن تثبيت وقف إطلاق النار أو عن انسحاب إسرائيلي من أراضٍ لبنانية محتلة، يتبادر إلى أذهان كثير من اللبنانيين سؤال مشروع: كيف يمكن لإسرائيل أن تتخلى بسهولة عن مناطق يعتبرها بعض قادتها جزءاً من أمنها الاستراتيجي منذ عقود؟
فبالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين، لا يُنظر إلى ما يجري في الجنوب على أنه مجرد نزاع حدودي عابر، بل على أنه جزء من صراع تاريخي طويل ارتبط بالأرض والمياه والأمن والهوية السياسية للمنطقة.
لقد شهدت العقود الماضية تصريحات ومواقف صدرت عن شخصيات سياسية ودينية إسرائيلية تحدثت عن الأهمية الاستراتيجية لجنوب لبنان، فيما ذهبت بعض الأصوات المتشددة إلى الحديث عن روابط تاريخية أو دينية مزعومة بأجزاء من هذه المنطقة. كما ظهرت بين الحين والآخر طروحات تتحدث عن أهمية الليطاني بالنسبة للأمن الإسرائيلي وعن ضرورة إيجاد عمق أمني شمال الحدود الحالية.
وفي الذاكرة السياسية العربية، كثيراً ما يُستحضر اسم دافيد بن غوريون وما يُنسب إليه من رؤى تعتبر أن أمن شمال إسرائيل لا ينفصل عن التطورات الجارية في جنوب لبنان، وأن منطقة الليطاني تشكل أهمية استراتيجية خاصة بسبب موقعها الجغرافي ومواردها المائية. وعلى الرغم من الجدل التاريخي حول بعض الروايات المنسوبة إليه، فإن فكرة ربط الأمن الإسرائيلي بما يجري في جنوب لبنان بقيت حاضرة في العديد من الدراسات والمقاربات الاستراتيجية الإسرائيلية.
ومن هنا، يتساءل كثير من اللبنانيين، إذا كان الجنوب يتمتع بهذه الأهمية الأمنية والاستراتيجية، فهل يمكن لإسرائيل أن تنسحب منه بسهولة؟ وهل يمكن أن تتخلى عن مواقع حققت من خلالها مكاسب عسكرية وميدانية تعتبرها ضرورية لحماية شمالها؟
في المقابل، تشير الوقائع السياسية إلى أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، اضطرت في مراحل مختلفة إلى الانسحاب من أراضٍ كانت تسيطر عليها عندما تغيرت المعادلات السياسية والعسكرية وأصبحت كلفة البقاء أعلى من المكاسب المتوقعة. لذلك فإن أي انسحاب مستقبلي من الأراضي اللبنانية لن يكون نتيجة تنازل مجاني، بل نتيجة توازنات وضغوط وحسابات إقليمية ودولية معقدة.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يمكن للولايات المتحدة أن تقبل بالشروط التي يطرحها حزب الله أو التي يتمسك بها لبنان الرسمي؟
الواقع السياسي يشير إلى أن واشنطن لا تتعامل عادةً مع النزاعات الكبرى بمنطق انتصار طرف كامل على طرف آخر، بل تسعى إلى إيجاد تسويات تحقق الحد الأدنى من مصالح جميع الأطراف. ولذلك فإن الحديث عن قبول كامل بالشروط أو رفض كامل لها يبدو بعيداً عن طبيعة العمل الدبلوماسي الأميركي.
وإذا كانت المطالب المطروحة تتمثل في وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، واحترام السيادة اللبنانية، فإن هذه المطالب لا تقتصر على حزب الله وحده، بل تشكل جزءاً من الموقف الرسمي اللبناني الذي تتبناه الدولة اللبنانية في المحافل الدولية.
أما الملفات الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها الترتيبات الأمنية طويلة الأمد ومستقبل السلاح ودور الدولة اللبنانية في الجنوب، فهي تبقى موضع نقاش وتجاذب بين مختلف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، يلفت الانتباه ما يُنقل عن تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول وجود اتصالات أو تفاهمات أو أجواء إيجابية مع الأطراف المعنية بالملف اللبناني. إلا أن التجارب السياسية علمتنا أن التصريحات العلنية شيء، والاتفاقات الفعلية على الأرض شيء آخر. فكم من مرة أُعلن عن تفاهمات كبرى قبل أن تصطدم بالتفاصيل والشروط المتبادلة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت واشنطن أو أي طرف آخر يقبل بالكامل بشروط هذا الفريق أو ذاك، بل ما إذا كانت جميع الأطراف قد وصلت إلى قناعة بأن كلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من كلفة التسوية.
اليوم، لا يكفي الحديث عن وقف إطلاق النار وحده. فالمسألة تتعلق أيضاً بضمان انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، واحترام السيادة الوطنية، ومنع تحويل الجنوب إلى ساحة دائمة للصراعات الإقليمية.
إن قوة لبنان الحقيقية لا تكمن فقط في السلاح أو في المواقف السياسية، بل في قدرته على بناء دولة قوية ومؤسسات فاعلة وجيش وطني قادر على حماية الحدود وفرض السيادة على كامل الأراضي اللبنانية.
ويبقى السؤال الذي سيبقى مطروحاً في أذهان اللبنانيين: إذا كانت إسرائيل ترى في الجنوب اللبناني جزءاً من أمنها الاستراتيجي، وإذا كانت بعض التيارات فيها لا تزال تنظر إلى الليطاني باعتباره منطقة ذات أهمية خاصة، فهل يستطيع لبنان أن يفرض معادلة تجعل احترام سيادته وأرضه مصلحة لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة، ليس فقط في الجنوب، بل في لبنان كله.