عندما تتغيّر السياسات بين إيران وأميركا في الأيام القادمة… من سيدفع الثمن؟

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

في الشرق الأوسط، هناك حقيقة أثبتها التاريخ مراراً: ما يبدو اليوم عداءً مطلقاً قد يتحول غداً إلى تفاهم، وما يبدو مستحيلاً في السياسة قد يصبح واقعاً عندما تلتقي المصالح.

على مدى عقود، قيل إن الصراع بين إيران والولايات المتحدة صراع وجودي لا يمكن أن ينتهي. وقيل إن العداء بين إيران وإسرائيل لا يمكن أن يشهد أي شكل من أشكال التهدئة أو التفاهم غير المباشر. كما قيل إن المواجهة بين إسرائيل وحزب الله ستبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية.

لكن السياسة لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح والحسابات الاستراتيجية.

فلو افترضنا أن الايام المقبلة حملت تفاهمات بين إيران والولايات المتحدة، أو اتفاقات أمنية وسياسية تخفف من حدة الصراع بين إيران وإسرائيل، أو ترتيبات إقليمية جديدة تنعكس على العلاقة بين إسرائيل وحزب الله، فماذا سيحدث حينها؟

السؤال الأهم ليس كيف ستتغير السياسات، بل من سيدفع الثمن بعد هذا التغيير.

هل سيدفعه المسؤولون الذين يجلسون إلى طاولات التفاوض؟ أم سيدفعه أولئك الذين أمضوا سنوات في التخوين والتحريض والكراهية، معتقدين أن ما يجري اليوم سيبقى إلى الأبد؟

في لحظة ما، قد تكتشف الشعوب أن السياسيين الذين تبادلوا الاتهامات بالأمس يتبادلون الرسائل والوساطات اليوم، وأن الدول التي خاضت حروباً طويلة تبحث عن مصالح مشتركة عندما تتغير الظروف الدولية والإقليمية.

هذا لا يعني أن إيران ستصبح حليفاً للولايات المتحدة، ولا أن إسرائيل ستصبح صديقة لحزب الله، ولا أن التناقضات العميقة ستختفي بين ليلة وضحاها. لكنه يعني أن السياسة قادرة دائماً على إنتاج تسويات لم يكن أحد يتوقعها.

لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يربط مستقبله بالكامل بصراعات الدول والمحاور، وأن يتعامل مع التحالفات السياسية وكأنها عقائد ثابتة لا تتبدل.

عندما تتغير السياسات بين إيران وأميركا، أو بين إيران وإسرائيل، أو بين إسرائيل وحزب الله، لن يكون الذين يوقعون الاتفاقات هم الخاسرين الحقيقيين. الخاسر الحقيقي قد يكون ذلك المواطن الذي خسر سنوات من عمره في معارك الكراهية والانقسام، ثم اكتشف أن المصالح السياسية سلكت طريقاً آخر.

لهذا أقول دائماً: تمسك بمبادئك، لكن احفظ رأسك. ادعم ما تراه حقاً، لكن لا تجعل نفسك أسيراً لعداوات قد تنتهي بقرار سياسي أو اتفاق إقليمي أو تفاهم دولي.

فالسياسة تتغير، والتحالفات تتبدل، والمصالح تتحرك باستمرار، أما الشعوب فهي التي تدفع الثمن إذا لم تدرك أن الأوطان أهم من المحاور، وأن مستقبل الناس يجب أن يكون فوق حسابات الصراع.

في الشرق الأوسط، قد تتغير العلاقة بين إيران وأميركا، وقد تتبدل قواعد الاشتباك بين إسرائيل وحزب الله، وقد تنشأ تفاهمات لم يتوقعها أحد، لكن المؤكد أن الشعوب ستبقى تدفع الثمن إذا لم تتعلم أن السياسة ليست ديناً، وأن المصالح هي التي تحكم قرارات الدول وتحالفاتها، فتجمع الأعداء عندما تلتقي المنافع وتفرّق الحلفاء عندما تتعارض المصالح…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى