حين تُغتصب الإنسانية في حرب .. يصبح جسد المرأة السودانية ساحةً للقتال؟

محاكمات عادلة لكل من ارتكب أو أمر أو سهّل
أو تستر على هذه الجرائم .. 
بقلم: علي خليل
ومن سيحاكم صمت العالم؟..ومن يوقظ الجامعة العربية
من نومها!؟
هناك حروب تُقاس بعدد المدن التي تسقط، وعدد الدبابات التي تحترق، وعدد الطائرات التي تُسقطها الدفاعات الجوية.
لكن هناك حروب أخرى لا تُقاس بالسلاح، بل بعدد النساء اللواتي فقدن كرامتهن، وعدد الأطفال الذين وُلدوا في مخيمات النزوح، وعدد الآباء الذين شاهدوا بناتهم يُسحقن أمام أعينهم، دون أن يملكوا سوى الدموع.
هذه ليست مبالغة…
بل هي السودان.
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يعد السودان مجرد دولة تمزقها المعارك، بل أصبح مسرحًا لأكبر مأساة إنسانية يشهدها العالم اليوم، بينما يقف المجتمع الدولي شاهدًا صامتًا على انهيار كل ما يمت للإنسانية بصلة.
في السودان لم تعد البيوت مأوى، بل أهدافًا للقصف والنهب.
ولم تعد المستشفيات أماكن للعلاج، بل أطلالًا يفر منها الأطباء والمرضى.
أما المرأة… فقد تحولت إلى الضحية الأسهل.
جسد المرأة سلاح حربتقارير الأمم المتحدة وبعثة تقصي الحقائق أكدت ما يلي دون مواربة:
اغتصاب جماعي واستعباد جنسي وزواج قسري ارتكبته قوات الدعم السريع بشكل منهجي في الخرطوم، بحري، أم درمان، ودارفور.
فتيات في 12 سنة أُجبرن على الزواج من مقاتلين خلال 48 ساعة من احتلال قريتهن.
الرفض يعني الموت للأب والأم.11 حالة زواج قسري موثقة في قرية الميلق بالجزيرة وحدها.
الأب يُجبر ابنته على الزواج من المقاتل الذي هاجم بيته بالأمس.
التعذيب الجنسي داخل معتقلات الجيش السوداني ضد معتقلين رجالاً ونساءً.
والأخطر: 90% من الحالات لا تُبلغ عنها. الخوف من الانتقام، وانهيار المستشفيات، والوصمة الاجتماعية، دفنوا آلاف الشهادات.
هل يصبح الاغتصاب أقل بشاعة إذا وقع في قرية أفريقية بعيدة عن عدسات الكاميرات؟
أم أن الضمير العالمي بات ينتقي ضحاياه وفقًا للجغرافيا والسياسة؟
تقارير الأمم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، وغيرها من المنظمات الحقوقية، وثقت نمطًا متكررًا من الانتهاكات التي تشمل الاغتصاب الجماعي، والاستعباد الجنسي، والزواج القسري، واستهداف النساء والفتيات بصورة ممنهجة في مناطق عدة من البلاد.
هذه الجرائم لم تعد حوادث فردية تفرضها فوضى الحرب، بل أصبحت – وفق ما تشير إليه التقارير الحقوقية – وسيلة لترهيب المجتمعات وتفكيكها وإخضاعها.
الأرقام وحدها كافية لإدانة الصمت.
الأرقام تكذب الصمت18,800 مدني قُتلوا موثقين حتى يونيو 2025، بحسب الأمم المتحدة.
الرقم الحقي أعلى بكثير. مشروع ACLED أحصى 28,608 قتيلاً حتى نوفمبر 2024.3,384 مدنياً سقطوا في 6 أشهر فقط من 2025.
70% منهم قتلوا بالقصف والمسيرات داخل أحياء سكنية مكتظة
.460 مدنياً ذُبحوا في هجوم واحد على مستشفى بغرب دارفور أكتوبر 2025.
لم يكن المستشفى هدفاً عسكرياً. كان ملاذاً.61,000 قتيل في الخرطوم وحدها، منهم 26,000 قُتلوا مباشرة بالرصاص والقصف.هذه ليست “خسائر جانبية”. هذه إبادة بالتقسيط.
آلاف المدنيين قُتلوا منذ اندلاع الحرب، فيما تشير التقديرات إلى أن العدد الحقيقي يفوق كثيرًا ما أمكن توثيقه، بسبب انهيار مؤسسات الدولة، واستمرار القتال، وصعوبة الوصول إلى مناطق واسعة.
أما الناجون… فهم يحملون جراحًا لن تظهر في أي إحصاء.
نساء اغتُصبن أمام أزواجهن وأطفالهن.
فتيات خُطفن من منازلهن.
طفلات أُجبرن على الزواج تحت تهديد السلاح.
ورجال دفعوا حياتهم ثمنًا لمحاولة حماية زوجاتهم أو بناتهم.
أي حرب هذه التي يصبح فيها جسد المرأة ميدانًا للقتال؟
وأي نصر يمكن أن يُبنى فوق صرخات الأمهات؟
السودان اليوم لا يعيش فقط أكبر أزمة إنسانية في أفريقيا، بل واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، حيث اضطر ملايين الأشخاص إلى مغادرة منازلهم، بينما تتوسع رقعة المجاعة والمرض وانعدام الأمن.
ورغم هول الكارثة، لا تزال العدالة غائبة.
لا تحقيقات جادة.
لا محاكمات.
ولا حماية حقيقية للضحايا.
الإفلات من العقاب لم يعد نتيجة للحرب…
بل أصبح جزءًا منها.
وهنا يصبح السؤال أكثر إيلامًا من الجريمة نفسها:
أين مجلس الأمن؟
أين الأمم المتحدة؟
أين مجلس حقوق الإنسان؟
أين هيئة الأمم المتحدة للمرأة؟
أين الاتحاد الأفريقي؟
أين جامعة الدول العربية، التي يبدو أنها قررت أن تكون شاهدًا لا فاعلًا؟
وأين آلاف المنظمات والجمعيات التي ترفع رايات الدفاع عن المرأة في كل مناسبة؟
هل تختلف كرامة المرأة إذا كانت سودانية؟
هل يصبح الاغتصاب أقل بشاعة إذا وقع في قرية أفريقية بعيدة عن عدسات الكاميرات؟
أم أن الضمير العالمي بات ينتقي ضحاياه وفقًا للجغرافيا والسياسة؟

من يعيد بناء الأرواح التي حطمتها هذه الجرائم؟
إن الصمت لم يعد حيادًا.
الصمت أصبح موقفًا.
والموقف حين يكون أمام جرائم بهذا الحجم، يتحول إلى شراكة أخلاقية في استمرارها.
إن المرأة السودانية لا تحتاج إلى المزيد من بيانات القلق.
ولا إلى مؤتمرات تنتهي بصورة تذكارية.
إنها تحتاج إلى حماية دولية حقيقية.
تحتاج إلى ممرات آمنة.
تحتاج إلى فرق تحقيق مستقلة.
وتحتاج قبل كل شيء إلى عدالة لا تعرف أسماء المتورطين ولا مواقعهم العسكرية أو السياسية.
عدالة تحاسب كل من ارتكب، أو أمر، أو سهّل، أو موّل، أو تستر على هذه الجرائم، أياً كانت الجهة التي ينتمي إليها.
هذه ليست قضية سودانية فقط.
إنها قضية إنسانية.
فحين يُستخدم جسد المرأة كسلاح في الحرب، لا تُغتصب امرأة واحدة…
بل تُغتصب الإنسانية كلها.
رسالتي اليوم ليست إلى السياسيين وحدهم.
بل إلى كل امرأة تشغل منصبًا عامًا.
إلى كل رئيسة جمعية.
إلى كل ناشطة تؤمن بأن حقوق المرأة لا تتجزأ.
إلى كل من رفعت يومًا شعار العدالة والمساواة.
ارفعي صوتك من أجل نساء السودان.
فكرامة المرأة ليست قضية موسمية.
ولا ينبغي أن تتغير قيمتها بتغير جنسية الضحية أو لون بشرتها.
وسيأتي يوم تتوقف فيه الحرب.
وسيُعاد بناء المدن والطرق والجسور.
لكن من سيعيد بناء الأرواح التي حطمتها هذه الجرائم؟
ومن سيعيد لطفلة طفولتها بعد أن سرقتها الحرب؟
ومن سيقنع أمًا بأن العالم لم يتخلَّ عنها؟
سيكتب التاريخ أسماء الذين ضغطوا على الزناد…
لكنه سيكتب أيضًا أسماء الذين امتلكوا القدرة على إنقاذ الضحايا واختاروا الصمت.
فالصمت على اغتصاب امرأة… اغتصابٌ آخر للعدالة.
والسكوت على إذلال شعب… سقوطٌ جديد للإنسانية.
أنقذوا نساء السودان… ليس لأنهن سودانيات، بل لأن الدفاع عنهن هو دفاع عن آخر ما تبقى من ضمير هذا العالم.

