من الذي يستحق أن تصفق له الدولة؟

الدولة المصرية كانت تفتح أبواب التكريم أمام الذين صنعت عقولهم وموهبتهم وعرقهم شيئًا يستحق أن تتوقف أمامه الأمة: عالمٌ أضاف إلى العلم، أديبٌ أضاء العقل، فنانٌ ارتقى بالوجدان، ومتفوّقٌ كان يُقدَّم للشباب باعتباره نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه الإنسان المصري.

من عيد العلم إلى زمن الشهرة.. من يستحق أن نكرّم؟
رؤية وتحليل: علي خليل
في عام 1962، كان للمشهد معنى آخر.
في عيد العلم، لم تكن الدولة المصرية تبحث عن أصحاب أعلى الأصوات، ولا عن الأكثر ظهورًا على الشاشات، ولا عن الذين تصنع منهم الصدفة أو الضجيج نجومًا مؤقتين.
كان هناك مشهد مختلف: جمال عبد الناصر يكرّم العلماء والفنانين وأصحاب الإنجاز.
لم يكن التكريم في ذلك الزمن مجرد احتفال بروتوكولي، ولا صورة تُلتقط ثم تنتهي الحكاية.
كان التكريم رسالة دولة إلى المجتمع.
كانت الدولة تقول للشاب المصري، بصورة واضحة:
هذا هو النموذج الذي يستحق أن تتطلع إليه.
العالِم الذي أفنى عمره في المختبر.
الفنان الذي ارتقى بذوق الناس.
الأديب الذي وسّع مداركهم.
المعلم الذي صنع أجيالًا.
والطالب الذي تفوق بجهده.
كان هؤلاء هم الذين يُدفع بهم إلى مقدمة المشهد.
وكان المجتمع يعرف أن الشهرة وحدها لا تصنع قيمة، وأن المال وحده لا يصنع مجدًا، وأن الإنسان لا يصبح قدوة لمجرد أن الكاميرات تلاحقه.
ثم تغير الزمن.
وليس من الإنصاف أن نقول إن مصر توقفت تمامًا عن تكريم علمائها ومبدعيها؛ فالتكريم الرسمي لم ينتهِ، وما زالت هناك جوائز واحتفالات وتقديرات لأصحاب الإنجازات.
لكن السؤال الذي يوجع أكثر من مسألة التكريم الرسمي هو:
ماذا حدث لمفهوم القدوة في المجتمع؟
متى أصبح عدد المتابعين معيارًا للنجاح؟
متى أصبحت الشهرة أهم من الإنجاز؟
متى أصبح الشخص الذي يثير الجدل قادرًا على احتلال مساحة إعلامية أكبر من عالم قضى نصف قرن في البحث والتعليم؟
ومتى أصبح بعض الذين لا يقدمون للمجتمع سوى الإسفاف والبلطجة واستعراض القوة قادرين على التحول إلى «مشاهير»؟
هنا لا أتحدث عن حق أي إنسان في أن يعيش حياته أو عن حق القانون في التعامل مع المخطئ.

أنا أتحدث عن شيء أخطر:
من الذي نضعه أمام أطفالنا وشبابنا باعتباره نموذجًا للنجاح؟
فالدولة لا تربي الإنسان بالمدرسة والجامعة وحدهما.
الإعلام يربي.
الشارع يربي.
المنصة الرقمية تربي.
والاحتفال العام يربي.
والتكريم يربي أكثر مما نتخيل.
حين نكرّم عالمًا، فإننا لا نكرّم شخصًا واحدًا؛ نحن نقول لآلاف الأطفال: العلم طريق يستحق أن تسلكوه.
وحين نكرّم فنانًا حقيقيًا، فإننا نقول: الإبداع يمكن أن يصنع مكانة لصاحبه.
وحين نحتفي بمعلم مخلص، فإننا نقول: صناعة الإنسان أعظم من صناعة الشهرة.
لكن عندما يتحول الترند إلى شهادة نجاح، ويصبح صاحب الضجيج أكثر حضورًا من صاحب الإنجاز، فإن الرسالة التي تصل إلى الجيل الجديد تصبح مختلفة تمامًا:
لا تتعب كثيرًا… كن مشهورًا فقط.
وهذه كارثة لا تظهر نتائجها في يوم أو عام.
إنها تظهر بعد سنوات، عندما يسأل مجتمع كامل نفسه:
أين ذهب العلماء؟
لماذا انصرف الشباب عن القراءة؟
لماذا تراجع احترام المهنة؟
لماذا أصبح بعض الأطفال يحلمون بالشهرة قبل أن يحلموا بأن يصبحوا أطباء أو مهندسين أو علماء أو فنانين؟
الإجابة ليست في الطفل وحده.
علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا قدمنا له من نماذج؟
جمال عبد الناصر، بعيدًا عن تقييم تجربته السياسية والتاريخية، كان يدرك شيئًا مهمًا: الدولة تحتاج إلى صناعة الرموز.
والرمز ليس تمثالًا ولا صورة معلقة على جدار.
الرمز هو إنسان تقول الدولة والمجتمع من خلال تكريمه:
نحن نريد المزيد من أمثالك.
وهنا أعتقد أن مصر تحتاج اليوم إلى إعادة اكتشاف قيمة التكريم الوطني الحقيقي.
ليس المطلوب أن نعيد عيد العلم كما كان في الستينيات حرفيًا.
المطلوب أن نصنع مناسبة وطنية كبرى، تتصدرها أسماء الذين يعملون في صمت:
العالم والباحث،
المعلم،
الطبيب،
المهندس،
العامل الماهر،
الفلاح المنتج،
المخترع،
الأديب،
الفنان الحقيقي،
الرياضي صاحب الإنجاز،
والشاب الذي انتصر على ظروفه بالعلم والعمل.
نحتاج إلى أن يرى الطفل المصري هؤلاء على الشاشات وفي الصحف وعلى منصات التواصل.
نحتاج أن يعرف أسماءهم وقصصهم.
نحتاج أن يصبح العالم مشهورًا، لا أن يصبح المشهور عالمًا في أعين الناس.
وهنا تحديدًا تكمن القضية.
الأمم لا تنهض فقط بما تبنيه من مصانع وجامعات ومشروعات، وإنما أيضًا بما تبنيه في عقول أبنائها من معايير للنجاح.
فإذا كان النجاح هو المال فقط، فسوف يبحث الناس عن المال.
وإذا كان النجاح هو الشهرة فقط، فسوف يبحثون عن الشهرة.
وإذا كان النجاح هو القوة والاستعراض، فسوف يقلدون الأقوى صوتًا.
أما إذا جعلنا العلم والعمل والإبداع والنزاهة والتفوق هي الطريق إلى التكريم والمكانة، فسوف نبدأ في صناعة جيل مختلف.
لقد كان عيد العلم في الماضي يقول للمصري:
اعمل… تعلّم… أبدع… وستجد وطنك يعرف قيمتك.
فماذا نقول له اليوم؟
وهذا هو السؤال الذي يجب ألا نهرب منه:
منذ متى أصبحنا نبحث عن المشاهير بدلًا من أن نصنع القدوة؟
ربما آن الأوان لكي تستعيد الدولة والمجتمع والإعلام معًا معنى قديمًا كاد يضيع:
أن التكريم ليس مكافأة لمن نجح فقط… بل وسيلة لصناعة من نريد أن ينجح غدًا.
لماذا توقف التكريم الحقيقي؟
ربما لم يتوقف التكريم تمامًا، لكنه فقد مركزيته وهيبته وتأثيره الاجتماعي.
وهذه نقطة أرى أنها تصلح لتكون جوهر المقال:
الدولة لا تبني الإنسان بالمدرسة وحدها؛ تبنيه أيضًا بمن تضعه أمام عينيه كنموذج.
عبد الناصر كان يفهم قيمة الرمز، بصرف النظر عن اختلافنا معه في تقييم تجربته السياسية كلها.
حين كرّم أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، لم يكن يمنح شخصين جائزة فقط؛ كان يقول للأمة إن الفن الذي يرفع الذوق ويوحد الوجدان جزء من القوة الناعمة للدولة. وحين كان العلماء والمتفوقون يتصدرون المشهد، كان يربط النجاح الاجتماعي بالعلم والعمل والتميز.
أما اليوم، فالمطلوب ليس العودة إلى زمن عبد الناصر، ولا تقليد احتفالات الستينيات.
المطلوب أن نستعيد الفكرة.
أن يكون لدينا عيد حقيقي للإنسان المصري المنتج.
يُكرَّم فيه:
العالم…
المعلم…
الطبيب…
المهندس…
العامل الماهر…
الباحث…
الفلاح المتميز…
المخترع…
الفنان الحقيقي…
الأديب…
الرياضي الذي صنع إنجازًا…
والطالب الذي تفوق رغم ظروفه.
ليس لأنهم مشاهير.
بل لأنهم يستحقون أن يكونوا قدوة.
وهنا يمكن أن نختم المقال بجملة قوية جدًا:
الأمم لا تكتفي بأن تعاقب من يخطئ، بل عليها أن تقول لأبنائها كل يوم: هذا هو الإنسان الذي نريد أن نراه في المستقبل. فإذا أخطأت الدولة في اختيار قدوتها، فلا تسألوا بعد ذلك: لماذا تغيرت قيم المجتمع؟
والسؤال الذي يجب أن يبقى معلقًا في نهاية المقال: