إمبراطورية النفايات.. حين تتحول قذارة الكبار إلى تجارة فوق أراضي الآخرين

تخيّل أن الدول التي تقف أمام العالم لتحدثه عن البيئة والمناخ والنظافة، تخفي خلف واجهاتها اللامعة سوقًا عابرًا للحدود، تتحرك فيه مليارات الدولارات تحت عنوان يبدو بريئًا: التخلص من النفايات.

لكن المشهد أبعد بكثير من حاوية تنتقل من ميناء إلى آخر.

إنها منظومة اقتصادية كاملة.

الدول الصناعية تنتج كميات هائلة من المخلفات، وكلما ارتفعت المعايير البيئية داخلها ارتفعت تكلفة التخلص منها. ومع ارتفاع الفاتورة، بدأت شركات تبحث عن الطريق الأرخص: نقل العبء إلى دول أضعف، أو إلى أنظمة تعاني من الفساد وضعف الرقابة.

وهنا يظهر الوجه الآخر لما يمكن تسميته الاستعمار البيئي.

فالأرض التي يصعب الوصول إليها بالجنود، يمكن الوصول إليها بالحاويات.

والدولة التي لا يمكن إخضاعها بالحرب، قد تتحول إلى ساحة لتجارة أكثر هدوءًا وأشد خطرًا.

في عام 2018، عندما شددت الصين قيودها على استيراد أنواع واسعة من النفايات، اهتزت أسواق إعادة التدوير العالمية، واضطرت دول غربية إلى البحث عن بدائل بعدما كانت تعتمد بدرجة كبيرة على منشآت صينية لمعالجة مخلفاتها.

وهنا ظهرت المفارقة.

هناك دول قرأت الأزمة باعتبارها فرصة اقتصادية، فاستثمرت في إعادة التدوير وتحويل المخلفات إلى طاقة.

وهناك من قرأها باعتبارها فرصة للثراء السريع.

دخلت شبكات الجريمة المنظمة على الخط، وتحولت النفايات الخطرة إلى تجارة سرية؛ تُدفن أو تُحرق بعيدًا عن أعين الرقابة، بينما يبقى الثمن على حساب الأرض والماء وصحة الإنسان.

ثم يأتي الوجه الأكثر قسوة: النفايات الإلكترونية.

أجهزة انتهى عمرها في الدول الغنية، تُرسل إلى دول أفقر تحت عناوين ومسارات مختلفة، ثم تبدأ رحلة التفكيك والحرق واستخراج المعادن.

هناك، قد يستنشق العامل الفقير ما لا تريد الدول الغنية أن يستنشقه أبناؤها.

وفي منطقتنا العربية، لا تختلف القاعدة كثيرًا عندما يدخل الفساد على خط الاقتصاد البيئي.

فالمشكلة ليست في النفايات وحدها.

المشكلة في الصفقة التي تقف خلفها.

من وقّع؟

من سمح؟

من استفاد؟

ومن سيدفع الثمن بعد سنوات، عندما تتحول التربة إلى مشكلة، والمياه إلى خطر، والهواء إلى فاتورة صحية مفتوحة؟

لهذا يجب أن نتوقف عن النظر إلى الملف باعتباره قضية نظافة فقط.

إنها قضية أمن قومي.

الموانئ ليست أبوابًا مفتوحة لكل ما يريد العالم التخلص منه.

والأرض ليست مستودعًا مجانيًا لأزمات الآخرين.

والمواطن ليس بندًا هامشيًا في عقد تجاري بين شركات ومسؤولين.

لكن النفايات ليست بالضرورة عبئًا.

يمكن أن تتحول إلى طاقة.

ويمكن أن تصبح مواد خامًا.

ويمكن أن تفتح مصانع وفرص عمل.

لكن ذلك يحتاج إلى دولة تدير الملف بعقل اقتصادي وبيئي، لا إلى سمسار يبحث عن عمولة.

الدول التي نجحت في هذا المجال لم تنظر إلى المخلفات باعتبارها نهاية دورة الإنتاج، بل باعتبارها بداية دورة اقتصادية جديدة.

وهنا تكمن المعادلة الحقيقية:

إما أن نستورد أعباء الآخرين..

أو نحول ما ننتجه نحن إلى قيمة مضافة داخل بلادنا.

إما أن تصبح موانئنا بوابات لعبور ما لا يريده الآخرون..

أو تصبح بوابات لحماية سيادتنا الاقتصادية والبيئية.

فالسيادة لا تُقاس فقط بمنع السلاح من عبور الحدود.

السيادة تعني أيضًا منع كل ما يمكن أن يهدد الأرض والماء والإنسان.

وفي عالم تتحدث فيه الدول عن البيئة والمناخ، بينما تبحث في الوقت نفسه عن أرخص مكان للتخلص من مخلفاتها، يصبح السؤال الحقيقي ليس:

أين ذهبت النفايات؟

بل:

من الذي فتح لها الطريق؟

ومن الذي قبض الثمن؟

ومن الذي سيبقى يدفع الفاتورة بعد أن تنتهي الصفقة؟

 

 

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى