اليمن على حافة جولة جديدة.. لكن السؤال الأخطر: من يملك قرار المعركة؟

بقلم : خالد رواحة
في اليمن، لم تعد المؤشرات مجرد تحذيرات من احتمال عودة الحرب إلى الاشتعال.
الميدان بدأ يتكلم.
خلال الأيام الأخيرة، عادت جبهة مأرب إلى الواجهة، وتصاعدت المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين، بالتزامن مع هجمات بالصواريخ والمسيّرات، فيما حذرت الأمم المتحدة من خطر الانزلاق إلى صراع أوسع.
لكن التطور الأخطر أن النار لم تعد محصورة داخل الجغرافيا اليمنية.
فقد امتدت الهجمات إلى الأراضي السعودية، مع إصابات بين مدنيين في نجران، بينما أعلنت السعودية احتواء حريق في منشأة تابعة لأرامكو في جازان، في وقت أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجوم عليها.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة من مجرد:
من بدأ التصعيد؟
السؤال الحقيقي هو:
من يملك قرار الحرب؟
فاليمن لم يعد ساحة صراع محلية فقط.
إنه أصبح عقدة تتقاطع عندها حسابات السعودية وإيران، وأمن البحر الأحمر، وباب المندب، ومصالح الطاقة والملاحة، فضلًا عن الصراع على شكل الدولة اليمنية نفسها.
والأهم أن الخريطة الداخلية لليمن تغيّرت أيضًا.
ففي يناير 2026، استعادت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا السيطرة على مناطق جنوبية كانت قد خرجت عن سلطتها لصالح المجلس الانتقالي الجنوبي، وأُعلن حل المجلس، ثم تشكلت حكومة جديدة في فبراير، مع خطوات لتوحيد القيادة العسكرية في المناطق الخاضعة للحكومة.
وهذا التطور مهم جدًا.
لأنه يعني أن المعادلة لم تعد ببساطة:
حوثيون في الشمال.. وحكومة في الجنوب.
بل أصبحت هناك محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي في المناطق المناهضة للحوثيين، وتوحيد مراكز القرار العسكري والسياسي، بينما تراقب صنعاء هذه التحولات وتختبر حدودها.
وفي المقابل، فإن صنعاء لا تبدو وكأنها تتعامل مع التصعيد باعتباره مجرد معركة حدودية.
فالهجمات الأخيرة على القوات الحكومية، والتهديدات المرتبطة بالملاحة والسفن السعودية، تكشف عن انتقال الصراع إلى مستوى أكثر اتساعًا، خصوصًا مع ارتباط الملف اليمني بالتوتر الإقليمي الأكبر.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية:
صنعاء لا تقاتل على جبهة واحدة.
فالمعركة بالنسبة إليها يمكن أن تكون في مأرب، وفي العمق السعودي، وعلى خطوط الملاحة، وفي ميزان الردع الإقليمي في الوقت نفسه.
وهذا يفرض على خصومها حسابات مختلفة تمامًا.
فأي عملية عسكرية واسعة داخل اليمن لن تبقى بالضرورة داخل الحدود اليمنية.
وقد يكون الرد في البحر.
وقد يكون على منشآت الطاقة.
وقد يكون عبر جبهة أخرى.
ولهذا أعلنت السعودية خلال الأيام الأخيرة أنها تتوقع هجمات منسقة من اتجاهين، أحدهما من اليمن والآخر من ميليشيات عراقية، وهو مؤشر على أن الرياض نفسها باتت تنظر إلى المشهد باعتباره جزءًا من مواجهة إقليمية أوسع.
لكن هناك تطورًا آخر لا يقل أهمية.
المعادلة الإقليمية نفسها تتحرك.
فالسعودية وقّعت مؤخرًا مع باكستان وتركيا اتفاقًا دفاعيًا مشتركًا، في خطوة تعكس رغبة الرياض في بناء ترتيبات أمنية أوسع في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية.
وهنا يصبح اليمن مرة أخرى في قلب الحسابات.
فهل نحن أمام محاولة سعودية لبناء مظلة ردع جديدة قبل الدخول في مواجهة أكبر؟
أم أن هذه التحركات تهدف أساسًا إلى منع اتساع الحرب؟
الجواب لم يتضح بعد.
لكن المؤكد أن الهدوء الذي ساد الجبهات اليمنية منذ 2022 لم يعد مضمونًا كما كان.
والأمم المتحدة نفسها حذرت منذ يوليو من خطر دورة جديدة من العنف، ودعت الأطراف إلى العودة إلى الحوار والحفاظ على حالة التهدئة التي عرفتها البلاد خلال السنوات الماضية.
وهنا نعود إلى السؤال الذي يبدو أنه سيكون عنوان المرحلة المقبلة:
من يملك قرار المعركة في اليمن؟
هل تستطيع القوى اليمنية المختلفة اتخاذ قرار الحرب والسلام من داخل اليمن؟
أم أن اليمن لا يزال يدفع ثمن صراع أكبر من حدوده؟
فالمشهد يقول إن هناك أطرافًا يمنية لها حساباتها ومصالحها، لكن هناك أيضًا قوى إقليمية ودولية تمتلك أدوات ضغط عسكرية وسياسية واقتصادية هائلة.
وهذه هي المعضلة القديمة التي لم تنتهِ.
تعدد البنادق لا يعني تعدد القرارات.
وقد يكون أخطر ما في الجولة الجديدة أن تدخل الأطراف المحلية المعركة باعتبارها حربًا يمنية، بينما تكون حسابات العواصم التي تقف خلفها مختلفة تمامًا.
ومن هنا، فإن اختبار المرحلة المقبلة لن يكون فقط:
من يملك الصاروخ الأطول مدى؟
بل:
من يستطيع تحمل الحرب أكثر؟
ومن يستطيع حماية اقتصاده؟
ومن يستطيع منع انهيار جبهته الداخلية؟
ومن يملك قرار التفاوض عندما تصل المعركة إلى نقطة لا يستطيع فيها أحد تحقيق نصر كامل؟
هذه هي المعركة الحقيقية.
فالحروب الطويلة لا يحسمها السلاح وحده.
يحسمها القرار المستقل، والقدرة على الصمود، وتماسك الداخل، ومعرفة اللحظة التي يصبح فيها التفاوض أقوى من الرصاصة.
واليمن اليوم يقف أمام أخطر مفترق منذ سنوات.
إما أن يتحول التصعيد إلى ورقة ضغط جديدة تفتح الطريق أمام تسوية سياسية..
أو يتحول إلى جولة حرب جديدة تعيد اليمن والمنطقة كلها إلى مربع أكثر خطورة.
وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال:
من انتصر؟
بل:
من كان يملك القرار عندما بدأت الحرب؟
ومن دفع الثمن عندما انتهت؟