إذا ظهرت مخالفة اليوم، لماذا لم نمنعها بالأمس؟ وإذا تركت سنوات، فمن المسؤول عن تركها؟

كلنا نعلم حجم ما يحيط بمصر من تحديات ومؤامرات ومحاولات للنيل من استقرارها، ونعلم أيضًا أن الحفاظ على هذا الاستقرار مسؤولية الجميع. فنحن جميعًا جنود في معركة حماية الدولة، والجيش الثاني الذي يقف إلى جانب قيادته الشرعية وأجهزته الوطنية في مواجهة كل من يحاول العبث بأمن الوطن واستقراره.
لكن حماية الاستقرار لا تعني أن نصمت عن الخطأ، ولا أن نقبل العنف غير المبرر، ولا أن نترك المواطن يشعر بأنه في مواجهة مع الدولة.
قوة الدولة الحقيقية أن تحمي القانون وتحمي الإنسان في الوقت نفسه.

رؤية وتحليل: علي خليل
كلنا نعلم حجم ما يحيط بمصر من تحديات ومؤامرات ومحاولات للنيل من استقرارها، ونعلم أن الحفاظ على هذا الاستقرار مسؤولية الجميع. فنحن جميعًا جنود في معركة حماية الدولة، والوقوف إلى جانب قيادتها الشرعية وأجهزتها الوطنية في مواجهة كل من يحاول العبث بأمن الوطن واستقراره.
لكن حماية الاستقرار لا تعني أن نصمت عن الخطأ، ولا أن نقبل العنف غير المبرر، ولا أن يتحول المواطن إلى خصم للدولة وهو في الأصل جزء منها.
الشارع المصري بدأ يتساءل عن مشاهد تتكرر أمامه: إزالة عقارات أو أكشاك، مطاردة بائعين جائلين، هدم مشروعات صغيرة، وإجبار مواطنين على ترك مصادر رزقهم، أحيانًا بأسلوب قاسٍ يترك وراءه غضبًا وأسئلة أكثر مما يترك حلولًا.
المعركة الحقيقية يجب أن تكون ضد الفوضى، والتعدي، والفساد، والإهمال، وسوء التخطيط، وتضارب القرارات، وليس ضد الإنسان؟!!!
والسؤال هنا ليس: هل نطبق القانون؟
بالطبع يجب أن يطبق القانون.
ولكن السؤال الحقيقي هو: كيف نطبق القانون؟
هل يكون تطبيقه بالضرورة مصحوبًا بالعنف؟ وهل إزالة المخالفة تعني بالضرورة إزالة مصدر رزق الإنسان معها؟ وهل يكفي أن نقول للمواطن: أنت مخالف، ثم نتركه يواجه مصيره بعد أن تهدمت وسيلة رزقه؟
إذا كان المواطن قد أقام مخالفة، فأين كانت الأجهزة المحلية عندما بدأت؟ وإذا استمرت المخالفة شهورًا أو سنوات، فلماذا لم يتم التعامل معها في بدايتها؟ وكيف تمكنت بعض الأنشطة والمنشآت من الاستمرار تحت أعين الأجهزة، ثم تحولت فجأة إلى مشكلة تستوجب الإزالة؟
نحن لا ندافع عن المخالفات، ولا نطالب بأن تتحول المدن إلى فوضى، ولا نقول إن القانون يجب أن يتراجع أمام المخالفة. لكننا نقول إن الدولة القوية هي التي تطبق القانون بعقل، وتحمي الإنسان في الوقت نفسه.
خذوا مثلًا قضية بائع البطاطا في الدقي، الرجل الذي ارتبط مصدر رزقه بمكان بسيط يبيع فيه قوته وقوت يومه. قد يكون المكان مخالفًا، وقد يكون قرار الإزالة من الناحية القانونية له ما يبرره، لكن ماذا حدث للإنسان نفسه؟ وماذا عن اللحظة التي رأى فيها مصدر رزقه يُزال أمام عينيه، ثم وصل به اليأس، وفق ما أثير حول الواقعة، إلى إحراق نفسه؟
نحن لا نبرر ما فعله، ولا يمكن أن يكون إيذاء النفس حلًا لأي مشكلة، لكن علينا أن نسأل: كيف وصل مواطن إلى هذه الدرجة من اليأس؟ وهل كان يمكن احتواء الموقف قبل أن يصل إلى هذه النهاية؟
هل كان يمكن منحه مهلة؟ هل كان يمكن تنظيم وضعه؟ هل كان يمكن توفير مكان بديل إذا كان ذلك ممكنًا؟
هذه الأسئلة لا تعطل القانون، بل تجعل تطبيق القانون أكثر إنسانية.
وهناك نموذج آخر لا يقل أهمية، يتعلق بشاب أقام مشروعًا لخيمة أفراح، ويؤكد حصوله على موافقات من جهات مرتبطة بالمياه والصرف والكهرباء، ثم فوجئ بإزالة المشروع بعد أن أنفق أمواله.
إذا صحت هذه الرواية، فهنا لا نتحدث فقط عن إزالة منشأة، وإنما عن مشكلة أكبر: من يتحمل مسؤولية تضارب القرارات بين أجهزة الدولة؟
إذا حصل المواطن على موافقات رسمية، ثم جاءت جهة أخرى لتقول له إن ما أقامه مخالف، فلماذا يكون المواطن وحده هو من يدفع ثمن الخطأ الإداري؟
هذه القضية يجب ألا تمر باعتبارها مجرد واقعة فردية، لأنها تمس شيئًا أخطر بكثير: ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
المواطن عندما يبدأ مشروعًا صغيرًا لا يملك عادةً احتياطيًا ماليًا يسمح له بخسارة كل شيء ثم يبدأ من جديد. قد تكون هذه الأموال كل ما يملك، وقد يكون المشروع هو أمل أسرته ومستقبل أبنائه.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق الإزالة هو: أين البديل؟
إذا كان البائع الجائل ممنوعًا من البيع في هذا المكان، فأين المكان المسموح له فيه؟
إذا كان الكشك مخالفًا، هل توجد أسواق أو أماكن بديلة؟
إذا كان المشروع غير قانوني في موقعه، فهل توجد آلية قانونية لنقله؟
إذا كان العقار المخالف يجب إزالته، فما مصير الأسر التي تعيش فيه؟
لا يكفي أن تقول الدولة: أزلنا المخالفة.
يجب أن تسأل أيضًا: ماذا فعلنا بالإنسان بعد الإزالة؟
وهنا نصل إلى قضية أكبر.
هل يمكن أن تكون هناك ممارسات محلية، حتى لو كانت ناتجة عن أخطاء فردية أو سوء تقدير، تؤدي في النهاية إلى نتيجة خطيرة تتمثل في خلق مسافة بين المواطن والدولة؟
لا نتحدث هنا عن اتهام جهة بعينها، ولا نملك دليلًا على وجود مخطط ممنهج للفصل بين الشعب وقيادته، لكن من حقنا أن نحذر من النتيجة إذا تكررت مثل هذه الممارسات.
فالمواطن لا يرى دائمًا تفاصيل القرارات العليا، وإنما يرى الموظف الذي أمامه، والقوة التي جاءت لإزالة مشروعه، والمعدات التي تهدم مصدر رزقه، والإجراء الذي لم يجد أمامه طريقة للدفاع عن نفسه.
وهنا يبدأ السؤال:
أين الاجهذة التي نثق بها؟
وهذا السؤال يجب ألا نسمح له بأن يتحول إلى شعور دائم لدى المواطن.
الدولة ليست خصمًا للمواطن.
والمواطن ليس خصمًا للدولة.
المعركة الحقيقية يجب أن تكون ضد الفوضى، والتعدي، والفساد، والإهمال، وسوء التخطيط، وتضارب القرارات، وليس ضد الإنسان الذي يمكن تنظيم وضعه ومحاسبته بالقانون.
فارق كبير بين الحزم والعنف.
الحزم يعني تطبيق القانون، وتوثيق المخالفة، وإنذار المواطن، وإعطاؤه الفرصة القانونية لتصحيح وضعه عندما يسمح القانون، وتوفير البدائل حيثما أمكن.
أما العنف غير المبرر، فإنه قد يفرض أمرًا واقعًا في لحظة، لكنه يترك جرحًا في علاقة المواطن بمؤسسات الدولة.
وقوة الدولة الحقيقية لا تقاس بعدد ما هدمته، وإنما بقدرتها على منع المخالفة قبل وقوعها، وتنظيم المجتمع، وحماية القانون، وحماية الإنسان في الوقت نفسه.
ولهذا يجب أن نسأل الأجهزة المحلية سؤالًا بسيطًا:
إذا ظهرت مخالفة اليوم، لماذا لم نمنعها بالأمس؟
وإذا تركت سنوات، فمن المسؤول عن تركها؟
وإذا كان المواطن قد حصل على موافقات رسمية، فمن المسؤول عن تضارب تلك الموافقات؟
وإذا قررت الدولة إزالة مصدر رزقه، فما البديل؟
هذه ليست أسئلة ضد الدولة، بل أسئلة من أجل الدولة.
فالقيادة المحلية ليست مجرد سلطة إزالة، وإنما مسؤوليتها الأساسية هي التنظيم والتخطيط والمتابعة وحل المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات.
نحن نريد دولة قوية، نعم.
ونريد قانونًا يطبق على الجميع، نعم.
ونريد مواجهة حقيقية للمخالفات والتعديات، نعم.
لكننا نريد أيضًا دولة تعرف أن وراء كل مخالفة إنسانًا، ووراء كل كشك أسرة، ووراء كل مشروع صغير أموالًا وحلمًا، ووراء كل إزالة آثارًا اجتماعية وإنسانية يجب أن تؤخذ في الاعتبار.
المواطن لا يقول للدولة: اتركي لي المخالفة.
هو يقول لها:
إذا كنت مخطئًا فحاسبني، لكن لا تهينني.
إذا كان ما أفعله مخالفًا، فدلني على الطريق القانوني.
إذا أزلت مصدر رزقي، فابحث لي عن البديل إن كان ممكنًا.
وإذا أخطأت إحدى الجهات في حقي، فأنصفني.
هذه ليست مطالب فوق القانون.
هذه هي دولة القانون نفسها.
وفي النهاية، يجب أن نتذكر أن الحفاظ على الاستقرار مسؤولية الجميع، وأن الدولة تواجه بالفعل تحديات حقيقية من كل جانب، وأننا جميعًا جنود في حماية الوطن واستقراره.
لكن الاستقرار لا يعني أن نصمت عن الخطأ، وقوة الدولة لا تعني أن يشعر المواطن بأنه في مواجهة معها.
بل العكس تمامًا.
كلما شعر المواطن أن الدولة عادلة، زادت ثقته بها.
وكلما شعر أن القانون يحميه، زاد التزامه به.
وكلما رأى أن مؤسسات الدولة تسمع صوته، أصبح أكثر استعدادًا للدفاع عنها.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق أي عملية إزالة ليس فقط:
ماذا سنزيل؟
بل:
ماذا سنفعل بالإنسان بعد أن نزيلها؟
فإزالة مخالفة قد تنتهي في ساعات…
لكن جرحًا في علاقة المواطن بدولته قد يحتاج سنوات حتى يلتئم.