لا سحر ولا شعوذة.. ( الاصل هي المدرسه ) هكذا عاد المنتخب المصري إلى الحياة

كتب – على خليل :
هناك من يبحث دائمًا عن “السر” عندما يحقق منتخب ما إنجازًا غير مسبوق، وكأن النجاح يولد في ليلة واحدة، أو يُصنع بقرار، أو يُهدى بالصدفة. لكن الحقيقة التي تؤكدها كل تجارب الأمم الرياضية أن البطولات لا تعرف السحر، ولا تؤمن بالشعوذة، وإنما تعترف فقط بالعمل والتخطيط والانضباط.
ما يقدمه المنتخب المصري في كأس العالم اليوم ليس معجزة كروية، بل ثمرة سنوات من تصحيح المسار، وتغيير الثقافة، والاقتناع بأن الوصول إلى القمة يبدأ من بناء فريق، لا من صناعة نجم واحد.
ولكي ندرك حجم ما تحقق، علينا أن نتذكر أين كنا.
ففي مونديال روسيا 2018، دخل المنتخب المصري البطولة وسط آمال عريضة، لكنه خرج بثلاث هزائم متتالية، بعدما تلقى خسارة أمام أوروجواي بهدف قاتل في الدقائق الأخيرة، ثم أمام روسيا بثلاثة أهداف مقابل هدف، قبل أن يخسر أمام السعودية بهدفين مقابل هدف، ليغادر البطولة بلا نقطة واحدة، ويستمر مسلسل الإخفاقات في كأس العالم.
وقبلها، كانت مشاركة إيطاليا عام 1990 قد انتهت بتعادلين وهزيمة، بينما تعود المشاركة الأولى عام 1934 إلى خسارة أمام المجر، ليبقى المنتخب المصري، لعقود طويلة، أحد المنتخبات التي شاركت في كأس العالم دون أن تعرف طعم الانتصار.
لهذا فإن ما يتحقق اليوم ليس مجرد نتيجة في مباراة، بل كسر لحاجز نفسي وتاريخي ظل يطارد الكرة المصرية قرابة قرن كامل.
اللافت أن التغيير لم يكن في أسماء اللاعبين فقط، بل في العقل الذي يدير الفريق.
لم يعد المنتخب أسير الأداء الفردي، أو انتظار لحظة إلهام من لاعب بعينه، بل أصبح فريقًا يعرف ماذا يريد، وكيف يدافع، ومتى يهاجم، وكيف يحافظ على النتيجة عندما يتقدم.
أصبح الانضباط التكتيكي عنوانًا، واللياقة البدنية عنصرًا حاسمًا، والروح الجماعية سلاحًا لا يقل أهمية عن المهارة.
وهذا هو الفارق الحقيقي بين منتخب يشارك ليشرف بلاده، ومنتخب يشارك لينافس على الإنجاز.
لقد أثبتت التجربة أن كرة القدم الحديثة لم تعد تعترف بالأسماء الكبيرة وحدها، وإنما تحترم المنظومة.
منظومة تبدأ من اتحاد كرة قدم يضع رؤية واضحة، وجهاز فني يمتلك شخصية، ولاعبين يدركون قيمة قميص المنتخب، وجماهير تؤمن بأن البناء يحتاج إلى وقت وصبر.
ولعل الدرس الأكبر هو أن النجاح الرياضي لا ينفصل عن نجاح الدولة في إدارة ملفاتها المختلفة.
فحين يصبح التخطيط أسلوبًا، والعمل المؤسسي ثقافة، والاستثمار في الإنسان أولوية، تكون النتيجة الطبيعية هي ظهور أجيال قادرة على المنافسة، سواء في الرياضة أو الاقتصاد أو الصناعة أو العلم.
ولهذا فإن الإنجاز الحالي يجب ألا يُقرأ باعتباره نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة.
مرحلة يكون فيها التأهل إلى كأس العالم أمرًا طبيعيًا، وتجاوز الدور الأول هدفًا مشروعًا، والمنافسة مع كبار العالم حلمًا يمكن تحقيقه بالعمل، لا بالأماني.
لقد أثبت المنتخب المصري أن التاريخ ليس قدرًا مكتوبًا، وأن الإخفاقات ليست لعنة أبدية، وأن المنتخبات الكبيرة لا تُولد كبيرة، وإنما تكبر حين تؤمن بأن النجاح قرار، وأن البطولات تُصنع في ملاعب التدريب قبل أن تُرفع في الملاعب.
لا سحر ولا شعوذة… إنها الإرادة، والتخطيط، والعمل.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه جميعًا.