التحالف السعودي ـ التركي ـ الباكستاني: هل وُلِد «الناتو الإسلامي»؟ وماذا يعني ذلك للبنان؟

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لم يعد الحديث عن ولادة محور دفاعي جديد في المنطقة مجرد تكهّنات سياسية. ففي 7 آب/أغسطس 2026، وقّعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان اتفاقًا للدفاع المشترك، يتضمن مبدأ بالغ الأهمية: أي اعتداء مسلح على دولة من الدول الثلاث يُعتبر اعتداءً عليها جميعًا.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية. فالتسمية جذابة سياسيًا، لكن «الناتو الإسلامي» ليس الاسم الرسمي للاتفاق، كما أن قوة أي تحالف لا تُقاس بالبيانات وحدها، بل بوجود آليات واضحة للتنسيق والقيادة والالتزام الفعلي عند وقوع أزمة. ومع ذلك، ومن الناحية الجيوسياسية، لا يمكن الاستهانة بما حدث. فالسعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والسياسي والموقع الاستراتيجي المحوري في الخليج، وتركيا تمتلك قدرات عسكرية وصناعية واسعة وهي عضو في حلف شمال الأطلسي، بينما تمتلك باكستان جيشًا كبيرًا وقدرات ردع استراتيجية. وجمع هذه العناصر الثلاثة في إطار دفاعي مشترك يبعث برسالة واضحة: دول المنطقة تريد أن تكون شريكًا في صناعة أمنها، لا مجرد متلقٍّ للضمانات الأمنية من القوى الكبرى.
ولا يعني الاتفاق بالضرورة أن السعودية أو تركيا أو باكستان قررت الانفصال عن الولايات المتحدة، بل قد يكون الأدق القول إن المنطقة بدأت تبحث عن تعددية في مصادر الأمن. فالدول الثلاث تستطيع التعاون مع واشنطن، وفي الوقت نفسه بناء ترتيبات إقليمية تمنحها هامشًا أكبر من الاستقلال في اتخاذ القرار. وهذا تطور مهم، لأن النظام الإقليمي الذي كان قائمًا لعقود على اعتماد دول الخليج بدرجة كبيرة على القوة الأميركية بدأ يتغير تدريجيًا.
أما إيران، فهنا تكمن واحدة من أكثر النقاط حساسية. لا ينبغي اختزال الاتفاق تلقائيًا بأنه تحالف ضد إيران، خصوصًا أن الخطاب الرسمي ركّز على الدفاع والتعاون الأمني ولم يعلن استهداف دولة بعينها. لكن من الناحية الاستراتيجية، فإن قيام كتلة دفاعية تضم السعودية وتركيا وباكستان يخلق واقعًا جديدًا في محيط إيران. وستجد طهران نفسها أمام ثلاث قوى إقليمية كبيرة تتقاطع مصالحها في مجالات الأمن والدفاع، وإن كانت لكل دولة منها حساباتها الخاصة. ولهذا فإن إيران ستكون مضطرة إلى قراءة هذا التحالف باعتباره تغييرًا في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، وليس مجرد اتفاق بروتوكولي.
وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن الصورة أكثر تعقيدًا. فقيام تكتل إقليمي قوي لا تتحكم إسرائيل في اتجاهاته قد يحدّ من قدرتها على التعامل مع المنطقة باعتبارها مجموعة دول منفردة. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن افتراض أن السعودية وتركيا وباكستان ستتحول تلقائيًا إلى جبهة عسكرية ضد إسرائيل. فالتحالفات الدفاعية لا تعني بالضرورة التحالفات الهجومية، وهذه نقطة أساسية يجب عدم تجاهلها في قراءة المشهد.
لقد عاش الشرق الأوسط لعقود على قاعدة: مع هذا المحور أو ضدّه. لكن ما نشهده اليوم قد يكون بداية مرحلة مختلفة؛ مرحلة تحاول فيها الدول بناء علاقات متشابكة مع الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا والسعودية وباكستان وغيرها في الوقت نفسه. وهذا يعني أن المنطقة قد تنتقل من محاور جامدة إلى شبكة تحالفات متغيرة، وهنا تحديدًا تكمن أهمية الاتفاق السعودي ـ التركي ـ الباكستاني.
أما لبنان، فهو الدولة التي يجب أن تقرأ هذا التطور بأكبر قدر من الجدية. فكلما ازدادت التكتلات العسكرية في المنطقة، ازدادت خطورة أن يتحول لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين. لبنان لا يستطيع أن ينافس السعودية أو تركيا أو إيران عسكريًا، ولا يستطيع أن يدخل في لعبة المحاور الإقليمية من موقع الندّ، لكنه يستطيع أن يمتلك شيئًا أهم: سيادته.
والمطلوب ليس أن يختار لبنان بين الرياض وأنقرة وطهران وواشنطن أو غيرها، بل أن يختار لبنان نفسه. فالحياد اللبناني، إذا كان حيادًا حقيقيًا ومسنودًا بدولة قوية وجيش شرعي ومؤسسات فاعلة، لا يعني الانعزال عن العالم، بل يعني أن يكون لبنان صديقًا للجميع، تابعًا لأحد، وعدوًا لمن يعتدي على سيادته فقط.
وفي زمن تتشكل فيه تحالفات جديدة، يصبح الحياد أكثر أهمية، لا أقل. فالدول الصغيرة لا تحمي نفسها دائمًا بامتلاك القوة الأكبر، وإنما أحيانًا بحسن إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى والإقليمية، وبمنع أراضيها من أن تصبح منصة للصراعات.
إن التحالف السعودي ـ التركي ـ الباكستاني ليس مجرد صورة سياسية جمعت ثلاث دول في مكة، بل هو إشارة إلى أن الشرق الأوسط يعيد بناء منظومته الأمنية. وقد لا يكون «ناتو إسلاميًا» بالمعنى المؤسساتي الكامل اليوم، لكنه يمكن أن يصبح نواة لترتيب أمني إقليمي أوسع إذا تطورت آليات التعاون والتنسيق بين أعضائه.
أما لبنان، فعليه أن يفهم الرسالة قبل فوات الأوان: العالم من حولنا يعيد تشكيل خرائط القوة والتحالفات، بينما لا يزال لبنان يتصارع على من يملك قرار الحرب والسلم.
وإذا لم يحسم لبنان مسألة سيادته وقراره الوطني، فسوف تستمر الدول في بناء تحالفاتها، فيما يبقى لبنان مجرد ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين.
المنطقة تتغير. والسؤال ليس: من سيكون في التحالف القادم؟ بل: هل سيكون لبنان دولةً تقرر موقعها، أم ساحةً يقرر الآخرون موقعها؟
الضرائب على شعبٍ جائع… لماذا لا تعتمد الدولة «التمويل بالنمو»؟
مرةً جديدة، تلجأ الحكومة إلى جيب المواطن وكأنه الخزينة الوحيدة المتبقية في لبنان. فبدل أن تبدأ بإصلاح الدولة، ومكافحة الفساد، واسترداد الأموال المنهوبة، وإقفال مزاريب الهدر، اختارت الطريق الأسهل: فرض ضرائب ورسوم جديدة على شعبٍ لم يعد يملك القدرة على الاحتمال.
فقد أُقرت زيادات ضريبية ورسوم جديدة، من بينها رفع الضريبة على القيمة المضافة، وزيادة الرسوم على المحروقات، وفرض ضرائب إضافية على التبغ وبعض السلع والخدمات، في وقتٍ يرزح فيه اللبنانيون تحت وطأة انهيار غير مسبوق، وارتفاع جنوني في الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب أبسط مقومات الحياة الكريمة.
أي منطقٍ اقتصادي يقول إن المواطن الذي خسر ودائعه، وتآكل راتبه، وأصبح يدفع ثمن الكهرباء والمياه والاستشفاء والتعليم من جيبه، يستطيع أن يتحمل المزيد من الضرائب؟
إن الحكومة تتعامل مع النتائج، لا مع الأسباب. فهي تبحث عن إيرادات سريعة لسد العجز، لكنها لا تسأل نفسها: لماذا لا ينمو الاقتصاد؟ ولماذا يهرب المستثمرون؟ ولماذا تُقفل المؤسسات ويهاجر الشباب؟
لقد طرحت منذ سنوات مشروع «التمويل بالنمو»، انطلاقًا من قناعة بأن الدولة لا يمكن أن تُموَّل بإفقار شعبها، بل بتنمية اقتصادها. فكل دولة تحقق نموًا اقتصاديًا حقيقيًا ترتفع إيراداتها تلقائيًا من دون الحاجة إلى خنق المواطنين بالضرائب. أما حين يتحول الاقتصاد إلى اقتصاد ركود، فإن زيادة الضرائب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانكماش والفقر.
إن «التمويل بالنمو» يقوم على فلسفة واضحة، تحريك عجلة الاستثمار، وتشجيع الإنتاج، وتوفير بيئة قانونية وإدارية جاذبة لرؤوس الأموال، ودعم الصناعة والزراعة والسياحة والاقتصاد الرقمي، لأن الثروة تُخلق بالإنتاج لا بالجباية.
ويبقى السؤال الذي لم تجب عنه أي حكومة حتى اليوم…لماذا لا تعتمد الدولة هذا النهج؟
هل لأن الإصلاح الحقيقي يمس مصالح أصحاب النفوذ؟ أم لأن فرض الضرائب أسهل من محاربة الفساد؟ أم لأن القرار الاقتصادي ما زال أسير الحلول المؤقتة التي تؤجل الانهيار ولا تعالج أسبابه؟
إن لبنان لا يحتاج إلى دولة تجيد الجباية، بل إلى دولة تجيد صناعة النمو. فلا يمكن إنقاذ وطنٍ بالإثقال على شعبه، ولا يمكن بناء اقتصادٍ قوي على أنقاض طبقةٍ وسطى تتلاشى، وشبابٍ يهاجر، ومؤسساتٍ تُغلق أبوابها.
إن المستقبل لن يصنعه من يفرض ضريبة جديدة، بل من يضع رؤية اقتصادية تخلق فرص العمل، وتعيد الثقة، وتجذب الاستثمار، وتحوّل المواطن من ممولٍ للأزمة إلى شريكٍ في النهضة.
