حانت ساعة الحقيقة لحماس

كتب-محسن العريشي
في الوقت الذي تقترب فيه الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان من تثبيت وقف إطلاق النار عبر الجهود الرامية إلى نزع سلاح حزب الله، تبدو القاهرة وكأنها تتبنى مقاربة مماثلة على الساحة الفلسطينية. فقد جمعت مصر قيادات حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى لبحث المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية الخاصة بغزة، وهي مرحلة يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها الأصعب، لأنها لا تتعلق فقط بإنهاء الحرب، بل بمستقبل حركة حماس سياسياً وعسكرياً.
وتنبع المقاربة المصرية من الرغبة في الحفاظ على ما يمكن إنقاذه قبل أن تتدهور الأوضاع بصورة يصعب تداركها. فالمسؤولون المصريون يرون أن استمرار الحرب لا يهدد سكان غزة وبنيتها التحتية فحسب، بل قد يفرض أيضاً واقعاً جغرافياً وديموغرافياً جديداً قد يصبح من الصعب تغييره مستقبلاً. ومن هذا المنطلق، ترى القاهرة أن التوصل إلى تسوية سياسية الآن، حتى وإن تطلب الأمر تقديم حماس لتنازلات مؤلمة، سيكون أقل كلفة بكثير من المخاطرة بخسارة غزة نفسها، في ظل تصاعد الدعوات داخل إسرائيل لتوسيع السيطرة العسكرية على القطاع.
وينظر صانعو القرار في مصر إلى المرحلة الحالية باعتبارها نافذة ضيقة لمنع سيناريوهات أكثر خطورة. ومع تصاعد التهديدات الإسرائيلية بتوسيع العمليات العسكرية وفرض السيطرة على أجزاء واسعة من القطاع، أصبح مستقبل سلاح حماس ومسألة من سيتولى حكم غزة محوراً رئيسياً لأي ترتيبات ما بعد الحرب.
وفي رسالة تبدو شديدة الوضوح، أبلغت القاهرة حركة حماس بأن المعادلات التي حكمت القطاع طوال السنوات الماضية لم تعد قائمة. ويجادل المسؤولون المصريون بأن وجود جناح مسلح لم ينجح في حماية غزة أو سكانها خلال الحرب التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر، وأن الوقائع الجديدة تفرض تبني مقاربة مختلفة.
وانطلاقاً من هذا المنطق، فإن موافقة حماس على نزع سلاحها طوعاً وتخليها عن إدارة القطاع قد يسحبان واحدة من أهم الذرائع التي يستخدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتبرير استمرار العمليات العسكرية والمضي في فرض وقائع جديدة على الأرض.
ولا تقتصر صعوبة المرحلة الثانية على ترتيبات وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى، بل تمتد إلى إعادة تشكيل النظام السياسي في غزة. فحماس تنظر إلى سلاحها باعتباره جزءاً لا يتجزأ من هويتها السياسية والعسكرية، في حين ترى إسرائيل أن أي ترتيبات تبقي للحركة دوراً أمنياً أو سياسياً لن تحقق أهداف الحرب.
وبالنسبة لمصر، فإن الرهانات تتجاوز مجرد نجاح المفاوضات. فالقاهرة تنظر إلى استمرار الحرب، أو حدوث تهجير واسع للفلسطينيين، أو إعادة احتلال القطاع لفترة طويلة، باعتبارها تهديدات مباشرة للأمن القومي المصري. ولهذا تبدو القيادة المصرية مقتنعة بأن التنازلات المؤلمة التي قد تُطلب من حماس اليوم تظل أقل كلفة من الخيارات الأكثر صعوبة التي قد تفرضها التطورات العسكرية مستقبلاً.
وبصورة أوسع، فإن التطورات الجارية في كل من لبنان وغزة تعكس تحولاً إقليمياً أوسع نطاقاً. فالضغوط تتزايد في مختلف أنحاء الشرق الأوسط من أجل دمج القوى المسلحة غير الحكومية في أطر سياسية جديدة أو دفعها إلى تقليص دورها العسكري. وإذا ما نجحت هذه الجهود، فقد تكون المنطقة مقبلة على نظام جديد تستعيد فيه الدول احتكار استخدام القوة، وتتحول فيه الأولويات الإقليمية من الصراعات المفتوحة إلى الاستقرار والتنمية الاقتصادية.
وفي نهاية المطاف، تبدو الرسالة التي تسعى القاهرة إلى إيصالها إلى حماس واضحة ومباشرة: إن التمسك بالسلاح بعد الحرب قد يكلف غزة مستقبلها، بينما قد يفتح التخلي عنه الباب أمام إنقاذها.