استبدلوا الشعب… فالوطن يستحق أفضل!

8بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

ربما لم يعد السؤال لماذا انهار البلد؟ بل كيف لا يزال قائمًا رغم كل هذا الخراب؟ بعد سنواتٍ من الجوع والإذلال والسرقة والوعود الوهمية، قد يبدو للبعض أن المشكلة لا تكمن فقط في السلطة، بل أيضًا في العلاقة المعقدة بينها وبين المجتمع الذي يعيد إنتاجها.

فالسلطة، إلى حدٍّ كبير، تعكس من أوصلها وحماها وأعاد انتخابها، ومن استجاب لخطابها الطائفي والمصلحي. في لبنان، غالبًا ما يستمر الزعيم في موقعه رغم الإخفاقات، فيما يُظهر جزء من المواطنين غضبًا مؤقتًا قبل أن يعود إلى خياراته السابقة، لأسباب تتراوح بين الخوف والمصلحة والولاء التقليدي.

ومن أكثر المفارقات إثارةً للسخرية أن كثيرين يرفعون شعار «العيش المشترك» في الخطابات والمناسبات، لكنهم عند أول استحقاق سياسي يعودون إلى الاصطفاف الطائفي، فيختارون الطائفة قبل الوطن، والزعيم قبل الدولة. فالعيش المشترك ليس شعارًا يُردَّد، بل ثقافة تُمارَس، تقوم على المواطنة والمساواة وسيادة القانون. وما دام الانتماء الطائفي يتقدّم على الانتماء الوطني لدى شريحة واسعة من المجتمع، فسيبقى الحديث عن الدولة المدنية والعيش المشترك أقرب إلى الأمنيات منه إلى الواقع.

ليس من النادر أن نرى تناقضًا بين رفض الفساد في الخطاب العام، واللجوء إلى الوساطات في الممارسة اليومية. كما أن المطالبة بدولة القانون تترافق أحيانًا مع استثناءات غير معلنة تتعلق بالانتماء أو المصلحة. هذه المفارقات تعكس تعقيد الواقع أكثر مما تعكس حكمًا مطلقًا على الجميع.

لقد ساهمت السلطة، عبر سنوات، في ترسيخ أولويات تجعل الانتماء الطائفي يتقدم على الانتماء الوطني لدى شرائح واسعة، كما عززت صورة الزعيم كمرجعية أساسية، حتى في ظل الأزمات. لكن هذا التأثير لا يلغي وجود أصوات معارضة ومحاولات مستمرة لكسر هذه المعادلة.

لذلك، لا يكفي التساؤل عن سبب عدم تغيّر السلطة، بل ينبغي أيضًا النظر في العوامل الاجتماعية والثقافية التي تسهم في إعادة إنتاجها. فالسياسي الفاسد لا يظهر بمعزل عن بيئة تسمح له بالاستمرار، سواء عبر التساهل أو عبر غياب البدائل المقنعة.

كم مرة قيل: «كلهم فاسدون»… ثم عاد كثيرون إلى خياراتهم التقليدية؟ وكم مرة ارتفعت شعارات التغيير، قبل أن تتراجع أمام حسابات الواقع؟ هذه الظواهر لا تعني بالضرورة قبولًا كاملاً بالوضع القائم، بل تعكس أحيانًا شعورًا بالعجز أو انعدام الثقة بالبدائل.

الوطن لا يُباع فقط في قصور السياسة، بل يتأثر أيضًا حين يُهمَّش صوت المساءلة، أو حين تُقدَّم المصالح الضيقة على المصلحة العامة. ومع ذلك، فإن عبارة «استبدلوا الشعب… فالوطن يستحق أفضل!» تبقى تعبيرًا ساخرًا، لأن الشعوب لا تُستبدل، بل تتغير عندما تتغير ثقافتها السياسية، ويعلو صوت المواطنة على الطائفة، والضمير على المصلحة، والقانون على الزعيم.

إذا استمر جزء من المواطنين في إعطاء الأولوية للزعيم على حساب الدولة، وفي تغليب المنفعة الآنية على العدالة، فإن فرص الإصلاح ستبقى محدودة. لكن في المقابل، فإن أي تحول في هذه الذهنية، ولو تدريجيًا، يمكن أن يفتح الباب أمام تغيير حقيقي.

المشكلة لا تكمن فقط في غياب الصالحين، بل في استمرار منظومة تسمح للفاسدين بالبقاء، مستفيدةً من شبكة معقدة من المصالح والولاءات التي لم تُكسر بعد.

قد تكون السلطة هي من دمّر الدولة… لكن من يحمي السلطة من المحاسبة يتحمّل جزءًا من مسؤولية استمرار هذا الدمار. فالأوطان لا تسقط فقط عندما يفسد الحكّام، بل عندما يعتاد الناس الفساد، ويتعايشون معه، ويمنحونه شرعيةً جديدة في كل استحقاق.

لذلك، فإن الوطن لا يحتاج إلى شعبٍ جديد، بل إلى مواطنٍ جديد… مواطنٍ يختار الدولة قبل الطائفة، والقانون قبل الزعيم، وكرامته قبل أي مصلحة آنية. عندها فقط، سيستحق هذا الوطن مستقبلاً أفضل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى