ماذا تنتظر مصر بعد 11 سنة من المحادثات العبثية؟

مصر والسبع العجاف.. الجفاف يضرب السودان وفي طريقه إلينا ومصر لا تزال تفاوض
رأي – عرب تليجراف – يكتبه على خليل
ليس أخطر ما في الكوارث أنها تقع، بل أن تتحول إلى خبر مكرر يعتاد الناس سماعه حتى يموت القلق فيهم.
هذه هي قصة أزمة المياه في مصر اليوم. عام بعد عام نسمع: انخفاض الأمطار، تراجع المناسيب، جفاف يضرب السودان، حرارة قياسية، والجميع يردد نفس الشعارات بينما النهر نفسه يصرخ.
والجغرافيا لا تجامل أحداً.
إذا كان السودان، رئة النيل الأوسط، قد دخل فعلياً مرحلة الجفاف الممتد، فهل تعتقد القاهرة أن الأمر شأن سوداني؟ النيل شريان واحد. ما يجف في أعاليه، يموت في مصبه. التعامل معه كخبر بيئة هو انتحار استراتيجي، والتعامل معه كأزمة عابرة هو جريمة بحق الأمن القومي.
11 سنة من التفاوض.. وماذا كانت النتيجة؟
لقد أمضت مصر 11 سنة كاملة في مفاوضات عبثية حول السد الإثيوبي، 11 سنة من الاجتماعات واللجان والصور التذكارية وبيانات “القلق” و”التفاهم”، والنتيجة؟ صفر.
سد يكتمل، وتخزين يفرض كأمر واقع، ودول المنبع تعيد رسم خريطة النيل بينما نحن نعيد تدوير نفس التصريحات.
القرآن لم يقص علينا قصة يوسف عليه السلام للعبرة الأدبية. يوسف لم يدعُ للجان تفاوض لسبع سنوات عندما رأى رؤيا السبع العجاف. لم يقل “نعبر عن قلقنا”. بل وضع خطة فورية: تخزين، تقشف، زراعة، بناء. **أدار الأزمة قبل أن تحدث.**
مصر ماذا فعلت؟
نعم، هناك مشروعات تبطين ترع ومعالجة مياه وتحلية، وهي جهود محترمة لكنها ترقيعية أمام حجم الكارثة. لا يمكن أن تواجه دولة يعتمد 95% من سكانها على شريط مائي واحد، تهديداً وجودياً بمنطق “توفير شوية مياه من الترع”.
الخطر لم يعد فنياً، بل أصبح رغيف خبز، وكيلو أرز، وفرصة عمل لفلاح، واستقرار لقرية كاملة. كل مليار متر مكعب ينقص، يعني آلاف الأفدنة تخرج من الخدمة، وملايين الجنيهات تضيع، وبطالة تتفجر.
ماذا يجب أن يحدث الآن وليس غداً؟
لم يعد هناك وقت للكلام الإنشائي. المرحلة تتطلب قرارات فعالة:
أولاً: وقف وهم المفاوضات الأبدية
11 سنة كافية لتعلم أن حسن النية لا يبني استراتيجية. يجب الانتقال من التفاوض كهدف إلى التفاوض كأداة ضمن حزمة ضغط سياسي وقانوني ودبلوماسي حقيقي.
ثانياً: ثورة ري حقيقية لا بالشعارات.
الري بالغمر في 2026 جريمة مائية. الانتقال للري الحديث يجب أن يكون إلزامياً وممولاً من الدولة، لا حملة توعية.
ثالثاً: تحلية ومعالجة على نطاق اوسع.
ما يحدث الآن قطرات. مصر تحتاج لمضاعفة طاقات التحلية 10 مرات خلال 5 سنوات، وربطها بالطاقة الشمسية في الساحل، وإلا سنستيقظ على عطش المدن قبل القرى.
رابعاً: زراعة للبقاء لا للتصدير.
لا يعقل أن نزرع محاصيل تستهلك مياها ببذخ بينما نستورد القمح. نحتاج لإعادة هيكلة كاملة للخريطة الزراعية بأصناف تتحمل الجفاف والملوحة، وإلا فمن أين نأكل؟
خامساً: مصارحة الشعب.
الأمن المائي لا يصنعه قرار حكومي وحده. يجب أن يعرف المواطن أننا دخلنا مرحلة السبع العجاف فعلاً، وأن كل قطرة لها ثمن، وأن عداد النيل لم يعد مفتوحاً للأبد.
إن الأمم العظيمة لا تقاس بقدرتها على الصبر على الأزمات، بل بقدرتها على منعها. وقد علمتنا قصة يوسف أن سنوات الرخاء ليست للاحتفال، بل للتخزين والتخطيط.
السؤال لم يعد: هل نحن على أعتاب السبع العجاف؟
السؤال الحقيقي الذي يجب أن تسأله الدولة لنفسها بعد 11 سنة من الدوران في حلقة مفرغة هو:
ماذا تنتظرون بالضبط؟ هل ننتظر أن يطرق الجفاف باب السد العالي ليبدأ التحرك؟
وادي النيل لا يحتاج لمزيد من الخطب، بل لقرار.