اذا لم تسقط إيران… فمن سيسقط أمام التاريخ؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

لو افترضنا أن هذه الحرب انتهت كما يروّج البعض، وإن كنت أشك في أن فصولها قد أُغلقت بالكامل، وأن إيران خرجت من المواجهة وهي ما تزال واقفة على قدميها، وما تزال قادرة على اتخاذ قرارها بنفسها، وما تزال تملك القدرة على الرد والتأثير، فماذا سيقول الذين أمضوا سنوات طويلة وهم يبشّرون بسقوطها الوشيك؟

ماذا سيقول أولئك الذين لم يتركوا مناسبة إلا وأعلنوا فيها أن النهاية أصبحت قاب قوسين أو أدنى؟ ماذا سيقول الذين رسموا للجماهير صورة دولة تتهاوى، ونظام يلفظ أنفاسه الأخيرة، وقوة عسكرية عاجزة عن الصمود، ثم اكتشفوا أن الواقع أكثر تعقيداً من كل ما كتبوه وروّجوا له؟

هل سيعترفون بأنهم أخطأوا؟
أم سيبحثون عن رواية جديدة تبرر فشل الروايات القديمة؟

لقد اعتاد كثيرون في منطقتنا على خلط الرغبات بالحقائق. يتمنون سقوط طرف ما، فيتعاملون مع الأمنية على أنها حقيقة. يكرهون مشروعاً سياسياً، فيظنون أن كراهيتهم له تكفي لإسقاطه. لكن السياسة لا تُدار بالعواطف، والحروب لا تُحسم بالتمنيات، والتاريخ لا يكتب وفق ما نحب أو نكره.

فلو كانت العقوبات وحدها كافية لإسقاط الدول، لسقطت إيران منذ عقود. ولو كانت الاغتيالات وحدها قادرة على إنهاء المشاريع الكبرى، لانتهت تجارب كثيرة قبل أن تترك بصمتها في التاريخ. ولو كانت الضغوط الإعلامية كافية لتحطيم الدول، لما بقيت دولة واحدة تختلف مع القوى الكبرى.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
فإن خرجت إيران من هذه الحرب وهي لا تزال موجودة وقادرة على فرض نفسها لاعباً أساسياً في المنطقة، فإن السؤال لن يكون عن إيران وحدها، بل عن أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة في بيع الناس أوهام الانهيار الوشيك.

كيف سيشرحون لجمهورهم أن الدولة التي قالوا إنها انتهت ما زالت حاضرة؟
كيف سيشرحون أن النظام الذي أعلنوا وفاته عشرات المرات ما زال قائماً؟
كيف سيشرحون أن القوة التي سخروا منها ما زالت قادرة على إرباك خصومها وفرض نفسها رقماً صعباً في المعادلات الإقليمية؟

إن أكبر أزمة قد تواجه بعض المحللين والسياسيين والإعلاميين ليست بقاء إيران، بل سقوط الرواية التي بنوا عليها خطابهم لسنوات طويلة. لأن انهيار التوقعات أمام أعين الناس يترك أثراً لا يقل قسوة عن الهزيمة نفسها.

والأطرف من ذلك أن بعض الهواة في السياسة، وبعض المحللين الذين لم تُصب توقعاتهم هدفاً واحداً منذ سنوات، سيخرجون فوراً ليقولوا إن هذا الكلام دفاع عن إيران.

وللمرة الألف أقول لهم: اقرأوا جيداً.
أنا لا أكتب بصفة ناطق باسم إيران، ولا بصفة مدافع عن الولايات المتحدة، ولا عن روسيا، ولا عن الصين، ولا عن أي دولة في هذا العالم.
أنا أقرأ الوقائع كما أراها.
أنا باحث وكاتب سياسي، ومهمتي أن أصف الواقع لا أن أبيع الأوهام، وأن أقرأ موازين القوى كما هي لا كما يشتهيها هذا الفريق أو ذاك.
ما يعنيني ليس إيران.
وما يعنيني ليس أميركا.
وما يعنيني ليس أي مشروع خارجي على هذه الأرض.
ما يعنيني هو لبنان فقط.
يعنيني مستقبل لبنان، وأمن لبنان، واقتصاد لبنان، وموقع لبنان، وما يمكن أن تتركه هذه الحروب من آثار على اللبنانيين الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
أما الذين يحوّلون كل قراءة سياسية إلى معركة ولاءات، فهؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة، بل يبحثون عما يؤكد قناعاتهم المسبقة فقط.
فالاعتراف بقوة دولة ما لا يعني الولاء لها.
والاعتراف بصمود خصم ما لا يعني تأييده.
والاعتراف بحقيقة ميدانية لا يعني الانحياز السياسي إليها.
وإلا لكان كل من يعترف بقوة الولايات المتحدة أميركياً، وكل من يعترف بقوة الصين صينياً، وكل من يعترف بقوة إسرائيل مؤيداً لها.
السياسة ليست بهذه السذاجة.

وفي النهاية، إذا خرجت إيران من هذه المواجهة مرفوعة الرأس، فإن الحدث لن يكون مجرد خبر عسكري أو سياسي عابر، بل لحظة مراجعة كبرى لكل من بنى قناعاته على فكرة أن سقوطها حتمي، وأن انهيارها مسألة وقت لا أكثر.
وعندها قد يكتشف كثيرون أن المشكلة لم تكن في قوة إيران وحدها، بل في ضعف القراءة، وسوء التقدير، والإصرار على تجاهل الوقائع عندما لا تناسب المواقف المسبقة.
فالتاريخ لا يسأل، ماذا تمنيت؟
بل يسأل، ماذا فهمت؟
ولا يسأل، كم مرة أعلنت النصر؟
بل يسأل، كم مرة كنت قادراً على رؤية الواقع كما هو؟

وإذا خرجت إيران من هذه المواجهة وهي ما تزال واقفة، فقد لا يكون أكبر المنتصرين طهران نفسها، بل الحقيقة التي حوربت سنوات طويلة، وسُخِر منها سنوات طويلة، وشُوِّهت سنوات طويلة، ثم فرضت نفسها في النهاية على الجميع.
وعندها لن تكون المحاكمة الحقيقية لإيران…
بل لطبقة كاملة من المحللين والسياسيين والإعلاميين الذين أخطأوا في قراءة التاريخ، ثم حاولوا إقناع الشعوب بأن أوهامهم كانت حقائق.

وحين يفتح التاريخ دفاتره، لن يسأل من كان أعلى صوتاً، ولا من كان أكثر صراخاً، ولا من كان أكثر قدرة على التحريض والتعبئة.
بل سيسأل سؤالاً واحداً،
من قرأ الواقع كما هو…
ومن باع الناس وهماً ثم اختبأ خلف الأعذار عندما ظهرت الحقيقة؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى