*الخيانة والعنف والأقنعة الاجتماعية في مسلسل “تحت السن”*

بقلم – د . مها بسطاوى
لم يكن مسلسل **”تحت السن”** بالنسبة لي مجرد مسلسل غموض يبحث عن قاتل أو يحاول حل لغز اختفاء فتاة مراهقة، بل كان عملًا يناقش كيف يمكن للعلاقات الإنسانية المختلة أن تتحول تدريجيًا إلى بيئة تنتج العنف والجريمة. تدور الأحداث حول اختفاء الطالبة “هنا” داخل مدرسة للبنات، وهو الحدث الذي يدفع الجميع إلى البحث عن الحقيقة، لكن مع تطور الحلقات يتضح أن الحقيقة أكبر بكثير من مجرد معرفة من ارتكب الجريمة.
في رأيي، السؤال الحقيقي الذي طرحه المسلسل لم يكن: “من قتل هنا؟”، وإنما “كيف وصلت الشخصيات كلها إلى هذه النهاية؟”. فكل شخصية كانت تحمل جرحًا أو سرًا أو أزمة نفسية ساهمت بشكل أو بآخر في المأساة.
*هل كانت هنا الضحية الوحيدة؟*
رغم أن هنا كانت محور الأحداث، فإنني لا أراها الضحية الوحيدة في المسلسل. كانت الضحية الأوضح فقط، لكن معظم الشخصيات عاشت بدرجات مختلفة من القهر أو الخداع أو الحرمان النفسي.
اختفاء هنا عمل كحجر أُلقي في ماء راكد، فبدأت الأسرار المدفونة تطفو على السطح، وانكشفت العلاقات الحقيقية بين الناس. وجودها وغيابها كان سببًا في كشف ما كان مخفيًا داخل البيوت وداخل المدرسة.
*رحمة.. ضحية ومخطئة في الوقت نفسه*
من أكثر الشخصيات تعقيدًا بالنسبة لي كانت شخصية رحمة، والدة هنا. كثير من المشاهدين ركزوا على خيانتها لزوجها محفوظ، لكنني أرى أن المسلسل حاول أن يضع هذه الخيانة داخل سياقها النفسي.
رحمة لم تكن تعيش زواجًا طبيعيًا. محفوظ كان عنيفًا معها، يضربها ويتحكم في حياتها ويأخذ أموالها، لذلك عاشت سنوات طويلة من الإهانة والاحتياج العاطفي. هذا لا يجعل الخيانة صحيحة، لكنه يفسر لماذا أصبحت مستعدة للبحث عن الاهتمام خارج بيتها.
المثير للاهتمام أن المسلسل لم يقدمها كامرأة سيئة أو مستهترة، بل كامرأة ضعيفة عاطفيًا اتخذت قرارات خاطئة نتيجة ظروف معقدة. ولذلك لم أستطع أن أتعامل معها كشخصية شريرة، ولا كشخصية بريئة بالكامل.
*لماذا خانت رحمة محفوظ؟*
في رأيي، رحمة لم تخن محفوظ لأنها توقفت عن احترام الزواج فقط، بل لأنها كانت تشعر أنها غير مرئية داخل هذا الزواج أصلًا.
فالعلاقة الزوجية ليست مجرد وجود رجل وامرأة تحت سقف واحد، وإنما احتواء واحترام وأمان. وكل هذه الأشياء كانت غائبة عن حياتها مع محفوظ. لذلك عندما ظهر شاكر بصورة الرجل المهتم والمتفهم وجدت نفسها تنجذب إليه.
لكن المفارقة أن رحمة لم تقع في حب شاكر الحقيقي، بل وقعت في حب الصورة التي رسمها لها عن نفسه.
*شاكر.. أخطر شخصيات العمل*
إذا كان محفوظ يمثل العنف الواضح، فإن شاكر يمثل الخطر المختبئ خلف القناع.
شاكر لم يكن شخصًا يثير الشك منذ البداية. على العكس، ظهر في صورة المدرس المحترم والمثقف، وهو ما جعل الجميع يمنحه الثقة بسهولة. لكن مع تطور الأحداث نكتشف أن أخطر ما يملكه ليس قوته، بل قدرته على إخفاء حقيقته.
وهنا أعتقد أن المسلسل قدم فكرة مهمة جدًا: ليس كل شخص يبدو محترمًا هو بالفعل كذلك، فبعض الناس يجيدون ارتداء الأقنعة لفترات طويلة.
*لماذا خان شاكر زوجته؟*
*من أكثر الأسئلة التي فكرت فيها بعد انتهاء المسلسل: لماذا خان شاكر زوجته؟*
زوجته لم تكن مهملة، وكانت تهتم به وبابنته سارة وتحاول الحفاظ على استقرار الأسرة. لذلك أرى أن المسلسل أراد أن يقول إن الخيانة ليست دائمًا نتيجة تقصير الطرف الآخر.
في حالة شاكر، المشكلة كانت فيه هو نفسه، كان شخصًا أنانيًا يريد الحصول على كل شيء دون أن يتحمل مسؤولية أي شيء. أراد الاحتفاظ بزوجته وأسرته، وفي الوقت نفسه أراد علاقة أخرى مع رحمة. ولذلك لم تكن خيانته دليلًا على فشل زوجته، بل دليلًا على فشله الأخلاقي هو.
*مريم.. ضمير المسلسل*
من بين صديقات هنا، كانت مريم الشخصية الأقرب إلى عقل المشاهد، لم تكن مثالية، لكنها كانت الأكثر صدقًا والأكثر إصرارًا على معرفة الحقيقة. بينما انشغل الآخرون بأسرارهم وصراعاتهم، كانت هي الوحيدة التي استمرت في البحث خلف كل تفصيلة مهما كانت مؤلمة.
أشعر أن مريم لم تكن مجرد صديقة تبحث عن صديقتها المختفية، بل كانت ضمير العمل كله. فمن خلالها تحركت الأحداث، ومن خلالها بدأت خيوط الحقيقة تتجمع.
*ملك.. ضحية المنزل قبل المدرسة*
أكثر شخصية تعاطفت معها شخصيًا كانت ملك، مشكلتها لم تبدأ داخل المدرسة، بل بدأت داخل منزلها. كانت تعيش ضغوطًا عائلية كبيرة انعكست على شخصيتها وسلوكها وعلاقاتها بمن حولها.
كثير من تصرفاتها بدت متهورة أو عدوانية، لكنني كنت أراها صرخات استغاثة أكثر منها رغبة في الأذى. المسلسل لم يقدمها كفتاة سيئة، بل كفتاة تحمل جروحًا نفسية عميقة وتحاول التعايش معها.
ولهذا كانت شخصية واقعية جدًا، لأن كثيرًا من المراهقين يبدون غاضبين أو متمردين بينما هم في الحقيقة متألمون فقط.
*داليدا والغيرة القاتلة*
أما داليدا فكانت في رأيي تمثل الغيرة بكل تعقيداتها، لم تكن شخصيتها شريرة بالمعنى التقليدي، لكنها كانت تعيش أزمة مستمرة مع المقارنة بالآخرين. كانت تحتاج دائمًا إلى الاهتمام والتميز والشعور بأنها الأفضل.
المشكلة أن هذه الرغبة تحولت تدريجيًا إلى غيرة أفسدت بعض علاقاتها بمن حولها. وهنا ينجح المسلسل في توضيح كيف يمكن لمشاعر تبدو بسيطة أن تتحول إلى قوة مدمرة إذا تُركت دون مواجهة.
فالغيرة لم تدمر الآخرين فقط، بل دمرت داليدا نفسها أيضًا وجعلتها أسيرة لمشاعر النقص وعدم الرضا.
*ناهد.. المعاناة الصامتة*
أرى أن ناهد كانت من أكثر الشخصيات التي لم تنل حقها من الاهتمام، كانت مختلفة عن مريم وملك وداليدا. لم تكن صاخبة أو كثيرة الكلام، بل كانت تميل إلى الانطواء والغموض.
في البداية قد يشك المشاهد فيها بسبب هدوئها، لكن مع الوقت يتضح أن غموضها ليس ناتجًا عن الشر، وإنما عن الضغوط النفسية والوحدة والخوف.
شخصية ناهد تمثل فئة كبيرة من المراهقين الذين يعانون في صمت دون أن ينتبه إليهم أحد.
*الصداقة كما قدمها المسلسل*
من الأشياء التي أعجبتني أن المسلسل لم يقدم الصداقة بصورة مثالية ومبالغ فيها.
الصديقات الأربع لم يكنّ ملاكًا، ولم تكن علاقتهن مثالية طوال الوقت. كانت هناك:
– أسرار.
– غيرة.
– منافسة.
– أحكام متسرعة.
– فقدان ثقة أحيانًا.
وهذا ما جعل الشخصيات أقرب إلى الواقع. فالصداقة الحقيقية لا تعني أن الجميع متشابهون أو متفقون دائمًا، وإنما تعني القدرة على الاستمرار رغم الاختلافات.
*رحمة والحقيقة المستحيلة*
من أكثر الجوانب المؤثرة في النهاية أن رحمة كانت تعرف جانبًا من الحقيقة، كانت تعرف تورط شاكر، لكنها لم تستطع التوجه مباشرة للإبلاغ عنه. البعض قد يفسر ذلك على أنه ضعف، لكنني أراه صراعًا داخليًا معقدًا.
كانت ممزقة بين صورتين مختلفتين للرجل نفسه: الحبيب الذي منحها الاهتمام الذي افتقدته، والقاتل الذي تسبب في تدمير حياتها.
لذلك اختارت طريقًا وسطًا؛ لم تحمه، لكنها أيضًا لم تواجهه بشكل مباشر. بل دفعت الأحداث تدريجيًا نحو انكشاف الحقيقة حتى يتم القبض عليه
هذا الصراع جعل رحمة واحدة من أكثر شخصيات العمل إنسانية وتعقيدًا.
*هل شاكر هو المسؤول الوحيد؟*
رغم أن النهاية كشفت أن شاكر هو القاتل الحقيقي، فإنني لا أعتقد أنه المسؤول الوحيد عن المأساة.
محفوظ بعنفه ساهم في تحطيم أسرته.
رحمة ساهمت بصمتها وتأخرها في المواجهة.
شاكر استغل ثقة الجميع وخان أسرته ورحمة معًا.
وحتى بعض الشخصيات الأخرى كانت تخفي أسرارًا وأكاذيب جعلت الحقيقة أكثر صعوبة.
لذلك أرى أن المسلسل يوجه رسالة مهمة: الجريمة لا تنشأ فجأة، بل تكون غالبًا نتيجة سلسلة طويلة من الأخطاء الصغيرة التي يختار الجميع تجاهلها.
*سقوط الأقنعة*
في النهاية، أعتقد أن “تحت السن” لم يكن مسلسلًا عن جريمة قتل فقط، بل عن الأقنعة التي يرتديها الناس.
رحمة كانت تخفي تعاستها خلف صورة الزوجة العادية.
محفوظ كان يخفي ضعفه خلف العنف.
شاكر كان يخفي إجرامه خلف صورة المدرس المحترم.
ومريم وملك وداليدا وناهد كانت كل واحدة منهن تخفي جرحًا مختلفًا عن الأخرى.
لهذا لم أشعر أن نهاية المسلسل كانت لحظة القبض على القاتل فقط، بل كانت لحظة سقوط الأقنعة كلها. انكشفت حقيقة الأشخاص، وسقطت الصور الوهمية التي صدقها الآخرون لسنوات.
ومن هنا جاءت قوة العمل بالنسبة لي. فالجريمة كانت مجرد النهاية، أما القصة الحقيقية فكانت عن الخوف والكذب والاحتياج العاطفي والبحث عن الحب والقبول. ولذلك أرى أن “تحت السن” لم ينجح لأنه أخفى القاتل حتى الحلقة الأخيرة، بل لأنه جعلنا نفكر في الأسباب التي صنعت هذا القاتل وصنعت ضحاياه في الوقت نفسه.
