عدوى الرجولة … قصة لـ علي مقلد

 ضحَّيْتُ بصوتِ مطربي المفضل وشريطِ كاسيت «حبيبي يا ملك قلبي» الذي كنتُ أدّخرُ لشرائه قرشاً فوق قرش. تنازلتُ عن حلمِ امتلاكِ الشريط بصوته النقي، واشتريتُ بكامل العشرة جنيهات كتابَه الأول، ذلك الذي جمع فيه مقالاته الصاخبة.

كانت كلماته في الصحيفة المعارضة تزلزل سنواتي العشرين؛ يتجرأ فيها على الحكومة، ويخوض حرباً لا ترحم على الفساد. كانت مانشيتات صحيفته تبدو لي كرايات ثورة، تتحدى بضوئها الصحف الحكومية المتراكمة والغبار يعلوها في مكتبة قصر الثقافة.

كان ابن مدينتي التجارية القابعة بقلب الصعيد، وأنا القروي الذي ينظر إلى “البندر” باعتباره أرض التمدن والثقافة والنضال، بعكس أهل القرى الذين لا يخرج حديثهم عن الزراعة والحصاد وما تيسر من سير الناس والنميمة وأداء الطقوس الدينية حسب ظروفهم. أحببتُه، ولم تصمد براءتي أمام إغراء كلماته المنشورة.

حين اقتربت الانتخابات البرلمانية، فوجئت به يجوب قرانا سعيًا على الأقدام، لم يكن يخوض حربه الخاصة، بل كان يتقدم موكب مرشحٍ مقاول، مبشراً به كأنه «ناصر» الذي يخرج من بين أنقاض الفقر ليغرس سيفه في قلب الفساد!

كان أبي يعرف تاريخ المقاول وأهله وسمسرته في كل شيء، لكن للريف حسابات أخرى؛ فالناس تبحث عن النائب الذي يعرفون بيته، حتى إذا اصطدم أحدهم بالسلطة، تدخل النائب لحل أزمة هي في الأصل أزمة تافهة.

ذهبتُ ضمن وفد العائلة لندعم المرشح. هناك، رأيتُ كاتبي المفضل يعتلي المنصة متحدثاً عن “المقاول السمسار”. استدعى التاريخ كله، ووصفه بأنه جمع بين ناصر وجيفارا وأبي ذر الغفاري! ، وفي المقابل، كال للمرشح المنافس – وهو صحفي يمتلك جريدة خاصة – كل الموبقات.

قال عنه إنه “أفّاق ومنافق”، ثم كال له الضربة القاضية حين أقسم أنه بحكم الزمالة يعرف أن هذا الصحفي متزوج سراً من راقصة في شارع الهرم، يتخفى كل ليلة ليجمع “النقوط” التي يلقيها السكارى على ظهرها!

كان أبي يفرك يديه في هدوء حتى انتهى المؤتمر .. في طريق العودة وصوت عمرو دياب يترامي الى مسامعنا من محلات الكاسيت “اخترتك من البداية” قلتُ لأبي : «أنا سعيد لأنني سمعت ورأيت كاتبي المفضل، إنه نموذج للرجل الصامد في وجه الباطل!.

تبسّم أبي بمرارة وأعقب ساخراً: ربنا يستر.. ولا تصيبك عدوى رجولته، لم أفهم ساعتها مقصد أبي.

نجح المقاول وانضم للحزب الوطني الحاكم. وفي أواخر التسعينيات، التحق كاتبي المفضل بمكتب النائب؛ يكتب له مقالات تشيد بإنجازات الحزب ورئيسه ويعلق على كل الأحداث المحلية والاقليمية – رغم أن الجميع يعرف أن النائب تسرب من التعليم الإلزامي! 

صار الكاتب يمر بين مكاتب الوزراء بأوراق أبناء الدائرة، وسرعان ما تسللت الهدايا والإعلانات إلى جيبه ، وانزوت بدل المحلة وأحذية باتا تحت السرير وارتدى بدلا مستوردة واحذية لامعة .

تخرجتُ من الجامعة، وندهتني نداهة الصحافة. خضتُ فترة تدريب في جريدة المرشح الخاسر – صاحب الجريدة التي وصفها كاتبي بالصفراء. والحقُّ أقول هي كذلك، لكن الرجل استقبلني بحفاوة وأثنى على أهلي، وقال لمساعده إنني من دائرته الانتخابية ويجب أن يعلمني ويمنحني الفرصة. لكنني ضقت ذرعاً بالجريدة، فأنفي كان ما يزال يطارد دخان المعارك الجسورة، وكنت أبحث عن فرصة لأمارس مهنتي على طريقة “كاتبي المفضل”.

في صالة التحرير، علمنا بأن كاتبي المفضل سيتولى رئاسة تحرير صحيفة حزبٍ وليد، وأنه يبني فريقاً من الصحفيين الشباب.

استأذنتُ صاحب الجريدة لأذهب للعمل مع كاتبي المفضل؛ ابتسم ثم أردف وهو يرتشف آخر رشفة من فنجان قهوته: ما زلت صغيراً يا “بلدينا” لتعرف أصل الأشياء.. أتظن صاحبك زعيماً بحق؟ أنا أعرفه جيداً، تزاملنا وأكلنا وشربنا، ولا أظن أنه تخلص من قمصاني المستعملة التي أهديتها له منذ كنا بالجامعة!

هذا الرجل نشأ يتيماً، تعوله أمٌّ مكسورة الجناح في محلج للأقطان، وصعوده لم يكن نضالاً، بل لأن وزيراً سابقاً اتخذه مخلب قطٍ يدعمه ويحركه من الخلف لمناوشة السلطة لحساب مصالحه، إنه صاحب صوت صاخب لأنه مذعور يا صديقي.. مذعور من قاع الفقر ومن اليتم القديم، ولن يتورع عن فعل أي شيء كي يظل طافياً على السطح .

لم تستوعب أذناي ما قيل ، فخرجتُ وأنا أتساءل: أهي الحقيقة أم الغيرة أم تصفية حسابات لا أعلمها؟ هرولت إليه في مقر الحزب، متغاضيا عن التحذير.

التفتَ حوله بغرور كأنه لا يعرفني وكأن المكان لا يسعه، وقال: أعرف مدى تأثيري في الشباب، لكنني لا أقبل المعجبين لمجرد الإعجاب، أريد مواهب حقيقية ، لكنه ساعة الاختبار لم يختبرني؛ أثنى على شعري الذي قرأه ذات يوم في إحدى المجلات وعليه اسمي وصورتي. تحدثنا في كتبه، ومقالاته، ودائرتنا الانتخابية.

وحين عرف أنني أتدرب في صحيفة “المرشح الخاسر”، نهرني بعطف أبوي : كيف تفعل ذلك بنفسك؟ أنت شاب مثقف وأمامك طموح كبير.. لا تلوث ملفك بالعمل مع هذا الخاسر.

خرجت من عنده حاسماً أمري؛ خسرت التعيين في صحيفة الرجل الذي استقبلني بحفاوة، وخسرتُ فرصة عمل حقيقية، لأظل ملازماً لـ “الأستاذ” أنهَل من نضاله.

مرت الأيام، وتهاوت أوراق التوت سريعة. رأيتُ الكاتب يتخطفه صراع الإعلانات، ويفاوض على العمولات، ثم ترك الجريدة الوليدة بعد شجارٍ ماليّ مع رئيس الحزب، ليتولى صحيفة رجل أعمال متهم في نصف قضايا الفساد المثارة على الساحة.. وصرتُ أسعى بين الصحف أبحث لنفسي عن موطئ قدم بعدما انهار صنمي.

جاء عام 2000، وحلت انتخابات جديدة. كان النائب المقاول قد فقد شعبيته وسلطته بعدما فاحت رائحة فساده. وفي لحظة ضيق وفقدان شغف، اتصلتُ بصاحب الجريدة التي تركتها ” الخواجة لما يفلس يدور في دفاتره القديمة” ، ردّ عليّ بابتهاجه المعتاد وترحيبه المبالغ فيه ، وأصرّ أن نلتقي بعد صلاة الجمعة في السيدة لنذهب مع بعض الأصدقاء إلى مزرعته في أطراف القاهرة.

هناك، بين الخضرة ورائحة المشويات المختلطة برائحة الحشيش وضحكات الحضور، التئم الجمع.. وفجأة.. رأيتُ كاتبي المفضل يقبل مهرولاً ومبتسماً يلتقط أنفاسه بالكاد بعدما أصابته سمنة مفرطة، واحتضن المرشح الخاسر – صاحب الجريدة – كأنه يعقوبُ يحتضن يوسف بعد طول غياب.. وصاحب الصحيفة الصفراء ينظر إليّ بابتساسة ساخرة .. تلاشت كل الأوصاف، وذاب شارع الهرم والرقاصة في غياهب النسيان، وتم الصلح، وأُسندت إلى كاتبي المفضل رئاسة تحرير الجريدة الصفراء ، والمرشح الخاسر سابقا يتجه نحو جولة انتخابية جديدة ويلزمه بوق ذو نغمة تطرب الجماهير.

رأيت في تلك اللحظة وجه الطفل اليتيم الخائف من غبار محلج القطن، مستتراً خلف بذلة “الأستاذ”، يعانق وليّ نعمته الجديد ليضمن ألا يعود أبداً إلى صفوف المنتظرين لكراتين المحسنين .. فيما طفا على سطح ذكرياتي وجهُ أبي، يفرك يديه ويتبسّم في مخيلتي بمرارة ساخرة: “ربنا يستر.. ولا تصيبك عدوى رجولته”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى