لبنان بين التهدئة والعاصفة ، ماذا يجري في المنطقة؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
من يراقب المشهد الإقليمي يلاحظ أن ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة بين إسرائيل وحزب الله، ولا مجرد خلاف بين الولايات المتحدة وإيران، بل هو إعادة رسم لتوازنات الشرق الأوسط بأكمله.
فبعد أشهر من المواجهات والتوترات العسكرية، تحاول واشنطن فتح نافذة تفاوض مع طهران بهدف الوصول إلى تفاهمات أوسع تشمل الملف النووي والأمن الإقليمي. وفي المقابل، ترى إيران أن أي اتفاق لا يمكن أن ينجح إذا استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وغزة، ولذلك ربطت بصورة واضحة بين المسارين السياسي والميداني.
أما إسرائيل، فتبدو منقسمة بين اتجاهين، الأول يدعو إلى استثمار اللحظة العسكرية لفرض وقائع جديدة على الأرض، والثاني يخشى أن يؤدي التصعيد المستمر إلى إفشال الجهود الدبلوماسية مع إيران وإلى زيادة العزلة الدولية. وقد كشفت تقارير عن توتر غير مسبوق بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خلفية العمليات في لبنان.
في لبنان، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فمن جهة، هناك مبادرات أميركية جديدة تهدف إلى وقف التصعيد التدريجي بين إسرائيل وحزب الله، ومن جهة أخرى لا تزال العمليات العسكرية والضربات المتبادلة تهدد بإسقاط أي تفاهم في أي لحظة.
السؤال الأهم اليوم ليس، هل ستقع الحرب؟ بل هل توجد إرادة حقيقية لمنعها؟
المؤشرات الحالية توحي بأن معظم القوى الدولية لا تريد حرباً شاملة. الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت تفاهم مع إيران، وإيران تحتاج إلى متنفس اقتصادي وسياسي، وإسرائيل تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب استمرار المواجهات، فيما يعاني لبنان من أوضاع اقتصادية واجتماعية لا تسمح له بتحمل حرب طويلة جديدة.
لكن الخطر يكمن في أن المنطقة أصبحت مرتبطة ببعضها البعض أكثر من أي وقت مضى. فحادث أمني في جنوب لبنان قد يؤثر على المفاوضات الأميركية الإيرانية، وضربة في الخليج قد تنعكس مباشرة على الوضع اللبناني، وأي انهيار للتفاهمات الحالية قد يعيد المنطقة إلى نقطة الصفر.
لذلك يمكن القول إن لبنان يعيش حالياً مرحلة انتظار كبرى. فليس هناك سلام حقيقي، وليس هناك حرب شاملة حتى الآن. إنها مرحلة رمادية تتصارع فيها مشاريع متعددة: مشروع التسويات، ومشروع فرض الوقائع بالقوة، ومشروع إعادة تشكيل المنطقة وفق توازنات جديدة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه اللبنانيون على أنفسهم، هل نريد أن يبقى لبنان ساحةً لصراعات الآخرين، أم أن الوقت قد حان لبناء دولة قوية قادرة على حماية أرضها وشعبها وقرارها الوطني؟
فالخرائط قد تُرسم في الخارج، لكن مستقبل لبنان لا يجب أن يُكتب إلا بأيدي اللبنانيين..
بالنهاية إذا استمرت الاتصالات الأميركية الإيرانية ولم يحدث تصعيد كبير في بيروت أو الجنوب خلال الأسابيع المقبلة، فإن احتمال التهدئة يبقى أعلى من احتمال الحرب الشاملة. أما إذا انهارت المفاوضات أو توسعت العمليات العسكرية، فقد يعود لبنان ليكون إحدى الساحات الرئيسية للصراع الإقليمي.