هل أُهينت هيبة لبنان في واشنطن؟… عندما تحوّلت زيارة رئيس إلى اختبارٍ لكرامة الدولة

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

في العلاقات الدولية، لا تقتصر الرسائل السياسية على ما يُقال في البيانات الرسمية، بل تُقرأ أيضًا في مستوى اللقاءات، وفي البروتوكول، وفي الجهة التي تستقبل رئيس الدولة. فهذه ليست مجرد تفاصيل شكلية، بل لغة دبلوماسية قائمة بذاتها، تحمل دلالات سياسية ورمزية تتعلق بمكانة الدول واحترام سيادتها.

ومن هذا المنطلق، يحق للبنانيين أن يتساءلوا: لماذا يقطع رئيس الجمهورية اللبنانية هذه المسافة الطويلة، ويرافقه وفد رسمي رفيع، ليكون أول لقاء رسمي له مع وزير الخارجية الأميركي؟ وإذا كانت الزيارة تستهدف تعزيز العلاقات بين البلدين، فلماذا لم يبدأ البرنامج بلقاء رئيس الولايات المتحدة أو، على الأقل، نائب الرئيس، بما ينسجم مع المكانة الدستورية لرئيس الجمهورية اللبنانية؟

قد يقول البعض إن وزير الخارجية يمثل الإدارة الأميركية، وهذا صحيح من الناحية الدبلوماسية. لكن السياسة لا تُقاس بالنصوص وحدها، بل أيضًا بالرمزية. فعندما يستقبل رئيس دولة نظيره، أو نائبه، فإن الرسالة السياسية تختلف جذريًا عن استقبال وزير، مهما بلغت أهمية منصبه.

ولا يقتصر العتب هنا على الجانب الأميركي فحسب، بل يمتد أيضًا إلى الوفد اللبناني. فمن واجب أي وفد رسمي أن يحرص على أن تعكس الزيارة مكانة الدولة التي يمثلها، وأن يحافظ على هيبة الموقع الرئاسي في كل تفصيل من تفاصيلها. وإذا كانت ظروف الزيارة لا تسمح باستقبال يوازي مقام رئيس الجمهورية، فكان من المشروع إعادة النظر في ترتيب اللقاءات أو في توقيتها بما يحفظ صورة لبنان.

أما الولايات المتحدة، التي تؤكد دائمًا احترامها للدول الصديقة، فقد كان بإمكانها، لو أرادت، أن ترتب برنامجًا ينسجم مع الأعراف الدبلوماسية المتبعة في استقبال رؤساء الدول. فاحترام البروتوكول ليس مجاملة، بل هو تعبير عن الاحترام المتبادل بين الدول، مهما تفاوتت موازين القوة.

صحيح أن رئيس الجمهورية سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن ذلك لا يلغي التساؤلات التي أثارها ترتيب البرنامج. ففي الدبلوماسية، غالبًا ما يكون المشهد الأول هو الرسالة الأولى، والانطباع الأول هو الذي يرسخ في الذاكرة السياسية.

إن لبنان ليس مجرد ملف على طاولة المفاوضات، بل دولة ذات سيادة كاملة، ورئيس الجمهورية هو رأسها الدستوري. ومن حق اللبنانيين أن يروا رئيس دولتهم يُستقبل بما يليق بمنصبه، لأن احترام الرئاسة هو احترام للدولة نفسها، وليس لشخص الرئيس.

إن الحفاظ على هيبة الموقع الرئاسي ليس ترفًا بروتوكوليًا، بل جزء لا يتجزأ من حماية صورة لبنان في الخارج. فالدول التي تحترم نفسها تحرص على أن تكون علاقاتها الدولية قائمة على الندية والاحترام المتبادل، لأن الكرامة الوطنية لا تُقاس بحجم الدولة أو قوتها العسكرية، بل بقدرتها على صون مكانة مؤسساتها في كل محفل دولي.

ويبقى السؤال الذي سيطرحه كثير من اللبنانيين: هل كان بالإمكان تجنب هذا المشهد؟ وهل كان من الضروري أن يبدأ برنامج زيارة رئيس الجمهورية بلقاء وزير الخارجية الأميركي، بينما كان اللبنانيون ينتظرون أن تعكس الزيارة مستوىً يوازي مكانة رئيس دولتهم؟

قد يختلف اللبنانيون في تقييم السياسات والتحالفات، لكنهم يتفقون على أن كرامة الدولة ليست موضع مساومة، وأن هيبة رئاسة الجمهورية تمثل هيبة لبنان بأسره. ولهذا، فإن مشهد الاستقبال الأول سيبقى، بالنسبة إلى كثيرين، موضع تساؤل وانتقاد، وقد يعتبره عدد من اللبنانيين إخلالًا بمبدأ الندية الذي يفترض أن يحكم العلاقات بين الدول.

وفي المحصلة، لا يمكن التعامل مع البروتوكول بوصفه تفصيلًا شكليًا، بل هو لغة قائمة بذاتها تعبّر عن مستوى الاحترام المتبادل بين الدول. صحيح أن ترتيب اللقاءات لا يختزل وحده طبيعة العلاقات السياسية، لكنه يظل مؤشرًا رمزيًا لا يمكن تجاهله في قراءة المشهد الدبلوماسي. ومن هنا، فإن الحفاظ على انسجام هذا الترتيب مع الأعراف المعتمدة يشكّل عنصرًا أساسيًا في صون صورة الدولة وهيبة مؤسساتها.

ويبقى السؤال الذي لن يغيب عن أذهان كثير من اللبنانيين: هل ستُطوى هذه الصورة سريعًا، أم ستبقى في الذاكرة باعتبارها مشهدًا رأى فيه كثيرون انتقاصًا من هيبة الدولة اللبنانية ومن المكانة التي يستحقها رئيس الجمهورية في علاقاته مع الدول الكبرى؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى