عروس النيل في خطر… 11 عام من الانتظار، فمتى يكون القرار؟

بقلم: علي خليل
ليس من حق أحد أن يطلب من المصريين الصمت عندما يتعلق الأمر بالنيل.
فالنيل ليس مشروعاً اقتصادياً يمكن تعويضه، ولا صفقة سياسية يمكن تأجيلها، ولا ملفاً دبلوماسياً يحتمل المساومات المفتوحة. النيل هو شريان الحياة، وأي حديث عنه يجب أن يكون بمنتهى الوضوح والشفافية.
التقارير والتقديرات المتداولة تشير إلى أن فيضان هذا العام أقل من معدلات أعوام سابقة. قد يكون ذلك جزءاً من التغيرات الطبيعية في الهيدرولوجيا أو المناخ، لكن الخطورة تكمن في أن هذا الانخفاض يأتي في ظل واقع جديد فرضه سد النهضة، وفي غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم التشغيل خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد أرقام…
هل دخلت مصر والسودان بالفعل مرحلة المأزق المائي؟
أحد عشر عاماً… والحصيلة صفر
منذ أكثر من أحد عشر عاماً، والمفاوضات لا تتوقف.
بيانات…
واجتماعات…
ولجان فنية…
ووسطاء…
ثم تعود الأزمة إلى نقطة البداية.
أحد عشر عاماً ليست فترة قصيرة في عمر الدول.
خلال هذه السنوات تغيرت حكومات، وتغيرت تحالفات، وبُني السد، وامتلأت خزاناته على مراحل، بينما ظل الاتفاق النهائي غائباً.
من حق المواطن أن يسأل:
إذا كانت أحد عشر سنة لم تكفِ للوصول إلى حل، فما الذي يضمن ألا نقضي أحد عشر عاماً أخرى في الاجتماعات نفسها والبيانات نفسها؟
السؤال ليس هجوماً على أحد، بل مراجعة واجبة لملف يمس حياة أكثر من مائة وخمسين مليون مواطن في مصر والسودان.
الصمت ليس سياسة
الأكثر إثارة للقلق ليس فقط تعثر المفاوضات، وإنما غياب الخطاب الرسمي الذي يشرح للمواطنين حقيقة الموقف.
عندما يسمع الناس عن انخفاض الفيضان، ويقرأون عن تطورات السد، ثم لا يجدون تفسيراً واضحاً، فإن الشائعات تملأ الفراغ.
الدولة القوية لا تخشى مصارحة شعبها.
بل إن الثقة بين الدولة والمواطن تُبنى على الشفافية، خاصة في القضايا الوجودية.
سؤال لا يجوز الهروب منه
هناك سؤال يتردد في الشارع المصري، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره سؤالاً محظوراً.
إذا كانت العلاقات المصرية مع دولة خليجية توصف بأنها استراتيجية وعميقة، وإذا كانت العلاقات السياسية بين البلدين وثيقة، فكيف تنظر القاهرة إلى الاستثمارات الكبيرة في إثيوبيا، وغيرها من أشكال التعاون الاقتصادي المعلنة؟
وهل جرى توظيف قوة العلاقات السياسية بين البلدين لدعم الموقف المصري في ملف النيل؟
هذه ليست اتهامات، وإنما أسئلة سياسية مشروعة في قضية تمس الأمن القومي المصري، ومن حق الرأي العام أن يعرف كيف تُدار.
والأمر نفسه ينسحب على أي دولة عربية أو صديقة ترتبط بعلاقات اقتصادية متنامية مع إثيوبيا، في وقت
ترى فيه مصر أن أمنها المائي يمثل قضية وجود.
إلى الحكومة المصرية
لسنا بحاجة إلى بيانات مطمئنة بقدر حاجتنا إلى رؤية واضحة.
هل ما زال الرهان قائماً على التفاوض وحده؟
وهل هناك سقف زمني للوصول إلى نتائج؟
وما هي البدائل إذا استمر التعثر؟
هذه ليست أسراراً عسكرية، بل أسئلة يفرضها واقع يزداد تعقيداً.
التفاوض… ولكن هذه المرة تفاوض مصيري
لا أحد يدعو إلى التصعيد من أجل التصعيد.
ولا أحد يريد أن تتحول منطقة حوض النيل إلى بؤرة صراع.
لكن استمرار التفاوض بلا نهاية ليس سياسة، وإنما إدارة للأزمة دون حلها.
ما تحتاجه المنطقة اليوم هو تفاوض جاد، محدد المدة، واضح الأهداف، يستند إلى قواعد القانون الدولي، ويضمن مصالح جميع الأطراف، وفي مقدمتها حق دولتي المصب في الأمن المائي.
النيل لا يعرف المجاملات
قد نختلف في السياسة.
وقد نختلف في الاقتصاد.
وقد نختلف في تقييم الحكومات.
لكن لا يجوز أن نختلف على أن النيل هو خط الحياة الأول للمصريين.
فإذا كان الخطر حقيقياً، يجب أن يُقال إنه حقيقي.
وإذا كانت هناك خطة، يجب أن يعرفها الناس.
وإذا كانت المفاوضات تواجه عقبات، فمن حق الشعب أن يعرف أين تقف هذه العقبات، وكيف ستُتجاوز.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس نقص المياه وحده…
بل أن يسبقها الزمن بينما تكتفي بالمراقبة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة:
هل كانت11 سنة كافية لإدراك أن الوقت ليس في صالح أحد؟
أم أننا سنستيقظ بعد 11 عام أخرى لنكتشف أننا كنا نؤجل المواجهة مع الحقيقة؟
إن عروس النيل لا تطلب المستحيل…
إنها تطلب قراراً يليق بتاريخ دولة قامت حضارتها على ضفاف هذا النهر، ولا تزال حياتها معلقة بكل قطرة منه.
واليوم، ونحن نتابع ما يحيط بملف مياه النيل، لا نتحدث عن خلاف سياسي عابر، ولا عن جولة تفاوض جديدة، وإنما عن فرصة أخرى قد تُكتب في سجل الفرص الضائعة إذا لم تتحول المفاوضات إلى نتائج، وإذا لم يتحول القلق إلى قرار.
فالتاريخ لا يرحم الدول التي تؤجل مواجهة التحديات، كما لا يغفر للأجيال التي تترك لأبنائها أزمات كان يمكن حلها بالأمس.
ويبقى السؤال الذي يؤرق كل مصري…
هل نتعامل مع أزمة مياه النيل باعتبارها آخر فرصة يجب ألا تضيع؟
أم سنضيفها، بعد سنوات، إلى القائمة الطويلة التي بدأها التاريخ بعنوان واحد…
الفرص الضائعة.