عبقرية المزيج.. مصر التي لا تقبل القسمة
بقلم : علي مقلد
تطل قضية الهوية المصرية برأسها دائمًا كأطروحة تستحق عصفًا فكريًا يسند ظهره إلى الحجة والبرهان، ويفتح أبواب النقاش بكل رحابة. لكن، وبصراحة لا تغيب عنها الفطنة، يتحول النقاش إلى دائرة مفرغة من السخافة والملل المكرر، حين يحاول البعض (عن عمد أو غير عمد) سلخ مصر عن أحد مكوناتها، وحصرها في قالب ضيق؛ فيعلو صوتٌ يريدها “فرعونية خالصة”، ويزايد آخر يريدها “إسلامية بلا ماضٍ”، وثالث يريدها “قبطية تلغي ما عداها”. هؤلاء جميعًا إما لا يعرفون مصر على حقيقتها، أو أنهم يعرفونها ويكتبون عكس ما يعلمون.. لحاجة في نفوسهم!
لأصحاب الفريق الأول، دعاة “الفرعونية الخالصة”، نسأل: ماذا أنتم فاعلون بالمصريين من ذوي الأصول العربية؟ وبالمناسبة، فإن كثيرًا من هذه القبائل استوطن أرض مصر قبل دخول الإسلام بقرون. وماذا ستصنعون بالشوام، والأكراد، والأتراك، واليونانيين، والألبان، ممن وفدوا إلى هذه الأرض، فاحتضنتهم وذابوا في ترابها وصاروا جزءًا أصيلاً من نسيجها؟
إن من يتغنون بالفرعونية المطلقة لا يحذفون بجرّة قلم عروبة مصر وإسلاميتها فحسب، بل يمحون مسيحيتها التاريخية أيضًا، ويتغافلون عن مكونها “السكندري” الفريد بشقيه الروماني والبطلمي، اللذين تركا بصمة لا تمحى في وجدان الوطن. ومن دواعي السخرية، أن بعض أفراد هذا الفريق من يستميتون في التغني بحضارة دول حديثة، قامت وازدهرت بالأساس على التعدد العرقي والثقافي، بينما يستكثرون على مصر ذات السبعة آلاف عام تنوعها وعبقريتها!
وعلى الجانب الآخر، يقف فريق يريد أن يصور لنا مصر قبل دخول الإسلام وكأنها كانت أرضًا بورًا، قفرًا بلا بشر ولا ثقافة؛ بينما يحصرها فريق ثالث في قالب قبطي محدد، يسقط هو الآخر في فخ الاختزال؛ إذ يريد حذف مسيحيين آخرين جاءوا من شتى بقاع الأرض واستوطنوا مصر، ناهيك طبعاً عن إلغاء المكون العربي.
الحقيقة الفاصلة التي غابت عن كل هؤلاء، هي أن مصر ليست عرقاً نقياً لأحد، مهما كان دينه أو توجهه. مصر هوية ثقافية تسمو فوق الأعراق، وتذوب فيها الدماء لتنتج إنساناً مصرياً بامتياز. مصر ليست حكرًا لتيار، ولا حصة لطائفة، بل لوحة فسيفساء نادرة، جمالها ورونقها يكمن في كثرة تفاصيلها وتعدد مكوناتها. هي الأرض التي تتسع في آن واحد لتراتيل الفجر الصاعدة من المآذن، وترانيم الكنائس السابحة في الملكوت. بل إن من عظمة سماحتها، أنها تتسع حتى لأولئك الذين تقاعسوا يوماً عن تلبية ندائها.
وهذه الفسيفساء ليست مجرد خطوط في كتب التاريخ، بل هي جغرافيا حية تنبض بالصلابة؛ فمصر بصعيدها الأبيّ ونوبتها الساحرة، بريفها الممتد وحضرها الصاخب، من أقصاها إلى أقصاها، ليست مجرد أقاليم متجاورة، بل هي صخرة واحدة صلدة تستعصي على التفتيت، وتتحطم عليها كل مطامع العزل أو التقسيم.
هذا التلاحم الفريد يظهر جلياً في الشارع، حيث يذوب الجميع في بوتقة واحدة لا تميز مصرياً عن آخر بناءً على هويته التاريخية.
بل إن المفارقة تكمن في أن التمايز الحقيقي في مصر اليوم لم يعد في باب الهوية، بل في باب الطبقية؛ فالأغنياء فريق متجانس في مسكنهم وتعليمهم، وفي المقابل، يقف الكادحون كفريق يجمعه الكد، والشقاء، وقلة ذات اليد.
إن مصر، في جوهرها وتفردها، أشبه بـ “كوب شاي باللبن”؛ مزيج متجانس، ذابت مكوناته في بعضها البعض حتى غدا من المستحيل فصلها دون إفساد الأصل. إنها هوية عابرة للزمن، تجمع كل العصور في بوتقة واحدة. ورحم الله عالمنا الجليل جمال حمدان، حين اختزل هذا السر كله وأطلق مصطلحه الساحر: “عبقرية المكان”.
لذا.. ارفعوا أيديكم عن مصر، واتركوها لأولئك الذين إذا ما وقعت الواقعة وألمّت بالوطن ملمّةعبقرية المزيج.. مصر التي لا تقبل القسمة، تناسوا فقرهم وشقاءهم، وتساموا فوق جراحهم، ولبّوا النداء دفاعًا عن وطن.. ربما لم يذوقوا يوماً فوق أرضه لذة السعادة.