في هذا العالم يا سادة.. لا يوجد رجل يسرق نار الآلهة ثم يعود لينام بسلام..

بقلم :خالد رويحة
في هذا العالم يا سادة..
لا يوجد رجل يسرق نار الآلهة ثم يعود لينام بسلام.
هذا ما حدث تمامًا مع إدوارد سنودن..
شاب أمريكي نحيل..
ملامحه هادئة..
يبدو كأي مبرمج عادي يحمل كوب قهوة ويتنقل بين الشاشات والأسلاك..
لكن خلف تلك النظارة كان يجلس رجل يرى ما لا يراه العالم كله..
كان يرى الإمبراطورية من الداخل..
يرى كيف تتحول الهواتف إلى مخبرين..
والكاميرات إلى عيون لا تنام..
والرسائل الخاصة إلى وجبات يومية على طاولات الاستخبارات..
في البداية لم يصدق..
قال ربما مجرد إجراءات أمنية..
مجرد حرب على الإرهاب..
مجرد استثناء مؤقت..
لكن الاستثناء حين يطول..
يتحول إلى نظام حياة..
هناك..
في الغرف الباردة تحت الأرض..
داخل دهاليز وكالة الأمن القومي الأمريكية..
اكتشف سنودن أن العالم لم يعد يعيش عصر الإنترنت..
بل عصر السجن الرقمي المفتوح..
كل شيء كان يُسحب بصمت:
المكالمات..
الصور..
الأسرار..
العلاقات..
الهمسات الصغيرة بين العشاق..
حتى خوف الإنسان نفسه أصبح ملفًا محفوظًا داخل خوادم عملاقة..
وكان الأسوأ من المراقبة نفسها..
هو اعتيادهم عليها..
ضحكات الموظفين وهم يشاهدون صور البشر الخاصة..
السخرية..
البرود..
اللامبالاة..
كأن الإنسانية كلها تحولت إلى لعبة فيديو داخل شاشة سوداء..
وهنا بدأ النزيف داخل رأسه..
لأن أخطر لحظة في حياة الإنسان..
هي اللحظة التي يكتشف فيها أن الوحش لا يعيش خارج الأسوار..
بل يجلس خلف المكتب المجاور له..
وفي عام 2013..
ضغط سنودن على الزر الذي غيّر حياته إلى الأبد..
لم يطلق صاروخًا..
لم يفجر مبنى..
لم يحمل بندقية..
فقط كشف الحقيقة..
لكن الحقيقة في عالم الإمبراطوريات..
أخطر من القنابل أحيانًا..
خلال ساعات..
تحول من موظف هادئ في هاواي..
إلى أكثر رجل مطلوب على وجه الأرض..
أمريكا أرادت رأسه..
الإعلام انفجر باسمه..
العالم انقسم بين من يراه بطلاً..
ومن يراه خائنًا..
أما هو..
فكان يركض فقط كي لا يختفي..
هرب إلى هونغ كونغ..
ثم وجد نفسه عالقًا داخل مطار روسي..
رجل بلا وطن..
بلا جواز..
بلا طريق عودة..
ومن هنا بدأت المفارقة السوداء التي تصلح لفيلم أعصاب طويل..
الرجل الذي فضح المراقبة الأمريكية..
انتهى به المطاف داخل واحدة من أكثر البيئات الأمنية صرامة في العالم..
يا للسخرية..
كأن القدر قال له:
أردت أن ترى وجه الوحش؟
حسنًا..
ستعيش داخله الآن..
مرت السنوات..
هدأت الضوضاء..
اختفت الكاميرات..
لكن سنودن لم يعد ذلك الشاب نفسه..
صار أبًا..
زوجًا..
رجلًا يفكر ألف مرة قبل أي كلمة..
والثوار يا أصدقائي..
حين يصبح لديهم أطفال..
تتغير طريقة نظرهم للنار..
لهذا صمت..
ليس لأن العالم أصبح جميلًا فجأة..
ولا لأن الرقابة انتهت..
بل لأن الإنسان حين يعيش طويلًا داخل مناطق الصراع..
يتحول البقاء نفسه إلى انتصار يومي صغير..
واليوم..
بين موسكو والإنترنت المقطوع والأنظمة المغلقة والتطبيقات التي تراقب الأنفاس قبل الرسائل..
يبدو سنودن وكأنه يعيش داخل النبوءة التي حاول تحذير العالم منها..
عالم لا يحتاج إلى شرطي خلف الباب..
لأن الهاتف نفسه أصبح الشرطي..
وهنا تكمن المأساة الحقيقية..
أن البشرية كانت تخاف يومًا من “الأخ الأكبر”..
ثم حملته بيدها طواعية..
وشحنته كل ليلة قبل النوم..
أما سنودن..
فبقي معلقًا بين صورتين:
رجل أنقذ الحقيقة..
ورجل دفع ثمنها عمره كله..
وربما لهذا السبب تحديدًا..
سيبقى اسمه حيًا مهما اختلف الناس حوله..
لأن التاريخ لا يتذكر فقط المنتصرين..
بل يتذكر أيضًا أولئك الذين فتحوا الباب..
ثم اختفوا داخل العاصفة..
✍🏻 خالد رويحة | 𝒦𝒽𝒶𝓁𝒾𝒹 𝑅𝑜𝓊𝒾𝒽𝒶
