إمّا إدارةٌ تخدم المواطن… أو دولةٌ تُهين شعبها
د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لا كرامة لوطنٍ تُذِلّ فيه بعض الإدارات المواطنين خلف النوافذ والأبواب المغلقة.
ففي الدولة التي تحترم نفسها، يجب أن يدخل المواطن إلى أي مؤسسة رسمية وهو يشعر بالاحترام والتقدير
لا أن يواجه التعالي أو الإهانة أو يُعامل وكأنه جاء ليستجدي حقًا من حقوقه.
الموظف العام وُجد لخدمة الناس، لا لاختبار صبرهم، ولا لقياس حجم “الواسطة” التي يقفون خلفها.
والمشكلة الأخطر أنّ بعض الإدارات والبلديات باتت تتعامل مع المواطن البسيط وكأنّه الحلقة الأضعف
فيما تتبدّل المعاملة بالكامل عندما يظهر اسمٌ نافذ أو اتصالٌ سياسي.
متى تنتهي هذه الذهنية؟
تنتهي المعاناة عندما تُفعّل الجهاتُ المعنية نظامَ شكاوى حقيقيًا وآمنًا، يضمن متابعة البلاغات بجدية
بدلًا من تحويلها إلى أرقامٍ مُهملة أو ملفاتٍ تُلقى في الأدراج.
وتنتهي عندما تفتح وزارة الداخلية والبلديات اللبنانية باب المحاسبة الحقيقيّة أمام المواطنين
بحيث يستطيع أي شخص تقديم شكواه دون خوف من الانتقام أو التعطيل أو الإذلال الإضافي.
فالمواطن ليس متسوّل خدمة، بل هو صاحب حق.
ومن الضروري أن يشعر الناس أنّ القانون يقف إلى جانبهم، وأنّ كرامتهم ليست أقلّ قيمة من أي منصب أو ختم أو توقيع.
لا أحد يطلب من الموظف أن يتحمّل الإهانات أو الضغوط بصمت
فالكثير من الموظفين أيضاً يعانون من ظروف صعبة ورواتب متآكلة
لكن ذلك لا يعطي أيّ شخص الحق في ممارسة التعالي على الناس أو تحويل المعاملة الرسميّة إلى أداة إذلال يومي.
الدولة القويّة لا تُقاس بعدد التعاميم، بل بطريقة معاملة المواطن داخل مؤسساتها.
وعندما يخاف المواطن من دخول دائرة رسميّة أكثر ممّا يخاف من ضياع حقّه
فهذه ليست أزمة إدارة فقط بل أزمة ثقة بين الدولة وشعبها.
لا يمكن تبرير إهانة الناس بحجّة الظلم الوظيفي أو ضعف الرواتب.
صحيح أنّ كثيراً من الموظفين يعيشون أوضاعاً صعبة، وأنّ الدولة قصّرت بحقّهم لسنوات
لكن المواطن أيضاً يعيش الانهيار نفسه، ويقف أمام النافذة الرسمية مثقلاً بالضرائب والهموم والإذلال اليومي.
فلا يجوز أن يتحوّل إلى الضحية الأسهل.
ومن يشعر أنّه لم يعد قادراً على أداء واجبه باحترام وضمير
أو أنّ غضبه من الدولة يدفعه إلى الانتقام من الناس، فليُصارح نفسه: هل ما زال صالحاً لهذا الموقع؟
فالوظيفة العامّة ليست سلطة على المواطنين، بل مسؤولية تجاههم.
أحياناً تكون الاستقالة، عندما يفقد الإنسان قدرته على خدمة الناس بكرامة
الاستقالة تصبح أكثر شرفًا من البقاء في موقعٍ يمارس فيه بعض المسؤولين التعالي وإهانة المواطنين الضعفاء.
فالدولة لا يبنيها الخوف، ولا يصنع هيبتها الصراخ من خلف الزجاج، بل يبنيها احترام الإنسان، أيًّا كان موقعه.
والمواطن الذي يدخل إلى إدارة رسميّة يجب أن يشعر أنّه أمام مؤسسة تخدمه
لا أمام مزاج شخص يقرّر إن كان سيُذلّه أو يُنصفه.
فليتعلّموا من دولة الإمارات العربية ومن كثيرٍ من دول العالم، كيف يكون احترام المواطن جزءاً من هيبة الدولة
وكيف تتحوّل الإدارة العامّة إلى مكانٍ يُنجز فيه الإنسان معاملته بكرامة، لا بقلقٍ وخوفٍ وإذلال..