لماذا يُهدّد ترامب إيران ثمّ يتراجع؟
د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
منذ سنوات، يعتمد الرئيس الأمريكي سياسة تقوم على رفع سقف التهديد إلى أقصى حدّ، ثمّ العودة خطوة إلى الخلف في اللحظات الحسّاسة. هذا الأسلوب ظهر بوضوح في تعامله مع ايران ، حيث تتكرّر التهديدات بالحرب، ثمّ تتبدّل إلى رسائل تفاوض أو عقوبات أو ضغوط سياسية واقتصادية.
لكنّ السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم، إذا كان ترامب يملك القدرة العسكرية الهائلة، فلماذا لا يذهب إلى المواجهة الكاملة؟
الجواب لا يرتبط فقط بالقوّة العسكرية، بل بالخوف من النتائج.
فالولايات المتحدة تعرف تمامًا أنّ الحرب مع إيران ليست نزهةً عسكرية، وليست شبيهةً بحروبٍ سابقة خاضتها ضدّ دولٍ منهكة أو معزولة. إيران بنت خلال العقود الماضية شبكةً معقّدة من القدرات العسكرية والأمنية والسياسية، وجعلت أيّ هجوم عليها يحمل احتمال توسّعٍ إقليمي خطير.
ترامب يعلم أنّ الضربة الأولى قد تكون أميركية،
لكنّ الضربة التالية قد تطال القواعد الأميركية، والممرّات البحرية، وأسواق النفط، وحلفاء واشنطن في المنطقة.
ولهذا، فإنّ التهديد بالحرب بالنسبة له قد يكون أحيانًا أداة ضغط أكثر منه قرارًا نهائيًا بالحرب.
هو يريد أن يظهر بمظهر الرجل القوي الذي لا يخشى المواجهة، خصوصًا أمام جمهوره الداخلي، لكنّه في الوقت نفسه يدرك أنّ الدخول في حربٍ مفتوحة قد يتحوّل إلى استنزافٍ طويل ومكلف، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
كما أنّ تجربة تغيير الأنظمة بالقوّة لم تعد مغرية كما كانت في السابق.
فما حدث بعد الحرب العراقية ترك آثارًا عميقة داخل مراكز القرار الأميركي، حيث تحوّلت الحروب الطويلة إلى عبءٍ على الاقتصاد الأميركي والرأي العام.
وفي المقابل، تعتمد إيران سياسة “الردع”، أي إقناع خصومها بأنّ أيّ محاولة لإسقاطها أو ضربها لن تمرّ بلا أثمان كبيرة. ولذلك، فإنّ المواجهة بين الطرفين بقيت حتى الآن ضمن حدود الضغوط المتبادلة، والرسائل النارية، والحروب غير المباشرة.
المشهد اليوم لا يشبه أفلام الحروب السريعة،
بل يشبه لعبة توازن دقيقة بين التهديد والانفجار.
ولهذا، يهدّد ترامب…
ثمّ يتراجع.
ليس لأنّه عاجز عن الحرب، بل لأنّه يدرك أنّ الحرب مع إيران قد تُشعل الشرق الأوسط بأكمله، وأنّ كلفة الانفجار قد تتجاوز بكثير أيّ مكسبٍ سياسي أو عسكري كان يحلم به …