خالد رويحة : حين تتحول الفتنة إلى سلاح.. من يكتب التاريخ بمداد الدم؟
بقلم : خالد رويحة
𝒦𝒽𝒶𝓁𝒾𝒹 𝑅𝑜𝓊𝒾𝒽𝒶
ليست كل الحروب تبدأ بدبابة..
بعضها يبدأ بكلمة..
بهمسة..
بكتاب يزرع الشك بين أخ وأخيه..
ثم يكبر الشرخ حتى يصبح وطناً ممزقاً، وأمة تأكل نفسها بيدها بينما العدو يجلس بعيداً يحتسي قهوته ويعدّ الأرباح.
منذ آلاف السنين، والفتنة تُستخدم كسلاح أخطر من السيف.
السيف يقتل رجلاً..
أما الفتنة فتقتل جيلاً كاملاً، ثم تجعل أبناءه يلعنون بعضهم بعضاً وهم يجهلون من أشعل النار أول مرة.
هكذا سقطت أمم..
وهكذا احترقت عواصم..
وهكذا تحولت العقائد إلى خنادق، والمذاهب إلى متاريس، والذاكرة إلى مقبرة مفتوحة لا تتوقف عن ابتلاع الأحياء.
في كل مرحلة من التاريخ كان هناك مشهد يتكرر بطريقة مرعبة.
وجوه تتغير..
أسماء تتبدل..
لكن الأسلوب نفسه يبقى حاضراً كأنه نُقش في عقلٍ خفي يدير الخراب من خلف الستار.
زرعوا الانقسام في الهند تحت شعار “فرق تسد”، فسال الدم حتى وُلدت حدود من جماجم البشر.
ثم جاء الدور على منطقتنا..
فلم يكن الكيان الصهيوني مجرد مشروع احتلال عسكري كما يظن البعض، بل كان مشروع تفكيك طويل الأمد، قائم على إبقاء المنطقة في حالة اشتعال دائم، لأن العدو الذي يعيش وسط أمة موحدة سيموت اختناقاً، أما وسط أمة تتقاتل فهو يصبح “حَكَماً” بين الجثث.
من هنا بدأت صناعة الفتنة الحديثة.
منابر..
قنوات..
مناظرات مذهبية..
جيوش إلكترونية..
خطاب محموم يحوّل الخلاف إلى كراهية، والكراهية إلى حرب، والحرب إلى سوق مفتوح لتجار الدم.
والكارثة أن كثيرين يظنون أنفسهم “مدافعين عن الدين” بينما هم في الحقيقة مجرد وقود مجاني لمشروع تمزيق أكبر منهم جميعاً.
التاريخ لا يعيد نفسه صدفة.
بل لأن هناك من يتقن إعادة تدوير الخراب.
في كل عصر يظهر شخص يشعل النار ثم يختفي، وتبقى الشعوب تتقاتل عشرات السنين فوق الرماد.
مرة باسم العِرق..
مرة باسم الطائفة..
مرة باسم الحق الإلهي..
ومرة باسم الثأر المقدس.
لكن النتيجة واحدة دائماً:
مدن مدمرة..
دماء لا تجف..
وأعداء الأمة يزدادون قوة وثروة ونفوذاً.
أخطر ما في الفتنة أنها لا تحتاج جيشاً ضخماً.
يكفي أن تُزرع فكرة مسمومة في عقل غاضب.
يكفي أن يتحول الجار إلى مشروع عدو.
يكفي أن يقتنع الناس أن المختلف معهم لا يستحق الحياة.
عندها فقط يبدأ الانهيار الحقيقي.
ولهذا لم يكن أخطر سلاح في التاريخ هو القنبلة النووية، بل القدرة على التحكم بعقول الجماهير ودفعها لتدمير نفسها بنفسها.
انظروا حولكم جيداً..
كم حرباً بدأت بمنشور؟
كم شعباً تمزق بسبب خطاب تحريضي؟
كم مدينة سقطت لأن أبناءها انشغلوا بلعن بعضهم بينما العدو كان يتقدم بهدوء؟
لقد تعلم أعداؤنا شيئاً واحداً بامتياز:
الأمة التي تنقسم طائفياً لا تحتاج إلى غزو.
ولهذا كلما اقتربت الشعوب من الوعي..
عادوا لنفخ نار المذهب والعِرق والهوية الضيقة.
إنهم يخافون من لحظة الإدراك.
من لحظة أن يفهم الناس أن الدم الذي يسفك بينهم هو الاستثمار الأكثر ربحاً لأعدائهم.
اليوم نحن لا نعيش مجرد خلافات عابرة..
بل نعيش حرباً نفسية وفكرية وإعلامية ضخمة، هدفها إعادة تشكيل وعينا بالكامل حتى نصبح قبائل إلكترونية تتقاتل ليل نهار بينما تُنهب أوطاننا قطعة قطعة.
والأخطر أن البعض صار يقدس الفتنة نفسها.
يتغذى عليها.
يقتات من صراخها.
ويعتبر الشتائم واللعن والانقسام بطولة وانتصاراً.
بينما الحقيقة المرة تقول:
كل رصاصة تُطلق داخل صدر الأمة..
تفتح طريقاً جديداً للعدو.
لهذا فإن أخطر معركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوعي.
على قدرتنا في التمييز بين الحقيقة والتحريض.
بين الدفاع عن العقيدة، والعمل كأداة مجانية في مشروع تمزيق الأمة.
فالعدو لا يهمه بأي اسم سنموت.
المهم أن نموت متفرقين.