خالد رويحة : الشرق الأوسط كله فوق صفيحٍ من اليورانيوم والبارود،
المنطقة لم تعد تقف على حافة الحرب فقط، بل دخلت فعلياً في زمن العضّ بالنار، حيث تتحرك الجيوش كأن الشرق الأوسط كله فوق صفيحٍ من اليورانيوم والبارود، وكل ساعة تمر تحمل معها احتمال انفجارٍ أكبر من الذي قبله.
* في طهران، تُرفع حالة الجهوزية إلى أقصى درجاتها، وفي واشنطن تُفتح الخرائط العسكرية فوق الطاولات الثقيلة، بينما يعيش الكيان الإسرائيلي حالة استنفار غير مسبوقة، وسط تقارير تتحدث عن أكبر حشد أمريكي منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، مع وجود عشرات آلاف الجنود والقواعد والطائرات والأساطيل التي تتحرك كأنها تستعد لشيء يتجاوز مجرد التهديدات الإعلامية.
* وزير الحرب الأمريكي أعلنها بوضوح: الخطط جاهزة، والسيناريوهات مكتملة، وما ينقص فقط هو قرار الضغط على الزناد. بنك الأهداف لم يعد يقتصر على المواقع التقليدية، بل امتد إلى البنى التحتية والمنشآت العسكرية التي بقيت خارج الضربات السابقة، وصولاً إلى الحديث عن عمليات كوماندوز للسيطرة على اليورانيوم عالي التخصيب، في محاولة لصناعة “نصر” يُباع للشعب الأمريكي قبل أن يُفرض على الأرض.
* لكن طهران لم تعد تتحدث بلغة الدبلوماسية الباردة. عباس عراقجي خرج بنبرة تشبه صافرات الإنذار أكثر من كونها تصريحاً سياسياً، موجهاً رسالته لواشنطن بأن العودة للحرب لن تكون نزهة، بل أبواب جحيم مفتوحة على الجميع. وفي الداخل الإيراني، بدأ البرلمان يلوّح بورقة التخصيب بنسبة 90%، وهي ليست مجرد نسبة تقنية، بل إعلان بأن المشروع النووي قد يدخل مرحلة جديدة بالكامل إذا انفجرت المواجهة مجدداً.
* الأزمة لم تعد مجرد صراع عسكري، بل أزمة ثقة كاملة، حيث ينظر كل طرف للآخر كعدو يستعد للخديعة التالية. ترامب يريد اتفاقاً يقدمه كرواية انتصار شخصي، وإيران تريد اعترافاً بنفوذها وسيادتها قبل أي توقيع، وبين الطرفين تقف المنطقة كلها وكأنها داخل غرفة مليئة بالغاز تنتظر شرارة واحدة.
* وفي قلب هذه الفوضى، تتحرك الصين بهدوء التنين الذي لا يرفع صوته لكنه يغيّر موازين العالم. زيارة ترامب إلى بكين لم تكن زيارة بروتوكولية، بل جلسة إعادة رسم خطوط النفوذ الكبرى. الصين أصبحت تمسك بالخيوط الاقتصادية والسياسية معاً، بينما كان بوتين يتجه هو الآخر نحو بكين، في مشهد يقول إن مركز الثقل العالمي يتحرك شرقاً.
* ملف تايوان حضر بقوة خلف الأبواب المغلقة، وترامب أرسل رسائل حادة للتايوانيين بألا يراهنوا كثيراً على الحماية الأمريكية المطلقة، ما كشف أن التفاهمات السرية بين واشنطن وبكين أعمق بكثير مما يُقال أمام الإعلام.
* وبمجرد انتهاء القمة، أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إعادة فتح مضيق هرمز أمام الدول التي لا تشارك في العدوان عليها، وكأن الرسالة تقول إن المضيق لم يعد مجرد ممر بحري، بل ورقة سيادة تُفتح وتُغلق وفق ميزان المصالح والنار.
* أما أوروبا، التي كانت تتحدث بلغة التحالفات، فقد بدأت تتسلل منفردة نحو طهران، تبحث عن ضمانات لسفنها وخطوط تجارتها، بعدما أدركت أن أي اشتعال جديد في الخليج سيحرق اقتصاداتها قبل أن يصل دخان الحرب إلى عواصمها.
* وفي لبنان، يبدو المشهد أكثر قسوة. هدنة تُمدد على الورق، بينما الجنوب يشتعل تحت الغارات والقصف. أكثر من تسعين بلدة ومنطقة تعرضت للقصف خلال ساعات، من صور إلى النبطية إلى مرجعيون، والسماء اللبنانية لم تهدأ من صوت المسيّرات والمدفعية.
القرى تُفرغ من سكانها، والنزوح يتمدد كجرح مفتوح، فيما تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن الإمساك بالمشهد، بين حكومة تتصرف كوسيط، وجيش لا يملك قرار الحرب ولا قرار الرد.
* وفي شرق أوروبا، تستمر روسيا وأوكرانيا في تبادل الضربات كأن الحرب هناك تحولت إلى ماكينة استنزاف يومية، مئات الهجمات والصواريخ والمسيرات، ومحطات الطاقة تتحول إلى أهداف ثابتة في معركة كسر الإرادة الطويلة.
لكن أخطر ما في المشهد كله هو أن المواجهة القادمة، إن انفجرت، لن تكون مجرد جولة جديدة من التصعيد التقليدي. الحديث الآن يدور عن “طحن عظام” حقيقي، عن حرب قد تعيد رسم خرائط النفوذ وحدود الدول وموازين القوة في الشرق الأوسط كله.
إيران تهدد بشكل مباشر بأن أي دولة تسمح باستخدام أراضيها ضدها ستدخل دائرة النار، والإمارات ترد بأنها قادرة على حماية نفسها، بينما واشنطن تدرك أن الضربات السابقة، رغم ضخامتها، لم تنجح في كسر العمود الفقري للقدرات الإيرانية.
التقارير الاستخباراتية الأمريكية نفسها تعترف بأن طهران استعادت معظم قدراتها العسكرية، وأعادت تشغيل مواقع استراتيجية قرب مضيق هرمز، وكأن الحرب السابقة لم تكن سوى جولة اختبار لما قد يأتي لاحقاً.
الشرق الأوسط الآن لا يعيش هدنة حقيقية، بل يعيش استراحة مقاتل يملأ مخازن الذخيرة وينتظر صافرة الجولة القادمة.
قراءة استراتيجية للمشهد
المنطقة كلها تبدو وكأنها تقف فوق برميل نار مفتوح على كل الاحتمالات..
طهران تتحدث بلغة مختلفة هذه المرة.. لغة لا تشبه بيانات التهدئة ولا دبلوماسية المراحل الرمادية.. المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية خرج برسالة مباشرة لواشنطن مفادها أن أي حماقة جديدة لن تُقابل كما السابق.. وأن الرد القادم سيكون أشد وأوسع وأقسى..
وفي الخلفية كانت غرف القرار الإيرانية تعيد ترتيب المشهد بالكامل..
تعيين محمد باقر قاليباف ممثلاً خاصاً للشؤون الصينية ليس تفصيلاً بروتوكولياً عابراً.. بل إشارة واضحة أن الجمهورية الإسلامية تتحرك شرقاً بثبات أكبر.. وتبني خطوطها السياسية والاقتصادية والعسكرية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية..
أما واشنطن.. فهي تحاول العودة إلى الطاولة من بوابة الشروط الثقيلة..
تريد من إيران تسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.. والإبقاء على منشأة نووية واحدة فقط.. ورفضت حتى الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة..
وكأنها تريد اتفاق استسلام لا اتفاق تفاوض..
لكن طهران قرأت الرسالة جيداً..
ولهذا خرج مستشار المرشد الإيراني محذراً من أن التهديدات التي تدفع بها تل أبيب ليست سوى فخ استراتيجي كلفته ستكون باهظة على الجميع..
المشهد لم يعد مجرد خلاف سياسي..
بل صراع إرادات مفتوح من مضيق هرمز حتى جنوب لبنان وغزة..
في لبنان.. العدو الإسرائيلي يواصل اعتداءاته وتفجيراته وتحذيراته للقرى الجنوبية.. بينما المقاومة الإسلامية ترد بالميدان لا بالبيانات..
مسيرة تابعة لحزب الله استهدفت جرافة للعدو في بلدة البياضة وحققت إصابة مباشرة.. والرسالة هنا لم تكن عن جرافة فقط.. بل عن معادلة كاملة تقول إن الأرض الجنوبية ما زالت ترفض أن تتحول إلى ساحة مستباحة لآليات الاحتلال..
وفي غزة.. المسيرات الإسرائيلية تواصل استهداف المدنيين في دير البلح.. شهداء وجرحى يسقطون تحت القصف.. فيما يحاول الاحتلال الهروب إلى لغة الدم بعدما فشل في كسر إرادة القطاع..
لكن حتى داخل الكيان نفسه بدأت الشقوق تتسع..
الاقتصاد الإسرائيلي ينكمش بنسبة كبيرة بفعل الحرب مع إيران.. والقلق يتصاعد داخل المؤسسة الأمنية.. ونتنياهو يعقد اجتماعات طارئة ويتحدث عن إيجاد حل للمسيرات التي باتت تطاردهم كالكابوس..
المفارقة الساخرة أن الاحتلال الذي كان يتحدث عن “الجيش الذي لا يُقهر” أصبح اليوم يبحث عن طريقة يوقف بها طائرات صغيرة ترعب مستوطناته وقواعده ومنشآته..
وفي الخليج.. حادثة استهداف محيط محطة براكة النووية بطائرة مسيرة فتحت باب الأسئلة الثقيلة..
الرسائل النارية بدأت تقترب من المنشآت الحساسة.. والمنطقة تدخل مرحلة جديدة عنوانها أن أي نقطة قد تتحول خلال لحظات إلى مركز اشتعال كبير..
أما مضيق هرمز.. فقد بدا كمدينة أشباح بحرية..
بلومبرغ تتحدث عن توقف حركة العبور بالكامل.. والممر الذي تمر عبره شرايين الطاقة العالمية يقف تحت ظلال التوتر والترقب..
هنا تحديداً يفهم العالم معنى أن تتحول الجغرافيا إلى سلاح..
إيران لا تتحدث فقط عن الصواريخ.. بل عن أوراق ضغط قادرة على خنق الاقتصاد العالمي بأكمله إذا انفجرت المواجهة الكبرى..
وفي تل أبيب.. الخوف يتصاعد أكثر من أي وقت مضى..
اجتماعات أمنية عاجلة.. اتصالات مباشرة بين نتنياهو وترامب.. وارتباك داخل المؤسسة العسكرية التي تدرك أن أي حرب جديدة لن تكون نزهة خاطفة كما يتخيل بعضهم
.الشهد يقول شيئاً واحداً..
المنطقة لم تعد كما كانت..
ومحور المقاومة لم يعد ذلك الطرف الذي ينتظر الضربة ثم يبحث عن طريقة للنجاة.. بل أصبح يمتلك زمام المبادرة والقدرة على فرض معادلات جديدة في الميدان والسياسة والاقتصاد..
والعدو الإسرائيلي الذي حاول لعقود أن يصنع صورة القوة المطلقة.. بدأ يكتشف أن زمن الهيمنة المنفردة يتآكل أمام صبر الشعوب وإرادة الميدان..