
حين تعود الجغرافيا لتكتب السياسة

مقال رأي – بقلم: علي خليل
في السياسة الدولية قد تتغير الحكومات والأنظمة والتحالفات، لكن هناك حقيقة لا تتغير كثيرًا: الجغرافيا. فهي العامل الصامت الذي يظل يحدد مسارات القوة والنفوذ حتى عندما يعتقد البعض أن التاريخ قد تجاوزها.
من هنا يمكن فهم لماذا تعود الأنظار الدولية مرة أخرى إلى مصر، ولماذا يزداد اهتمام قوى دولية – بينها المملكة المتحدة – بتعزيز حضورها الاقتصادي واللوجستي في هذا البلد الذي يقع في قلب أحد أهم مفترقات الطرق في العالم.
قبل عقود طويلة كانت بريطانيا حاضرة في مصر كقوة استعمارية، وانتهى ذلك الفصل من التاريخ بعد ثورة 23 يوليو 1952 التي أنهت حقبة النفوذ العسكري الأجنبي المباشر. لكن العالم اليوم مختلف تمامًا؛ فالقوى الكبرى لم تعد تبحث عن القواعد العسكرية بقدر ما تبحث عن مراكز النفوذ الاقتصادي وطرق التجارة وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي تلعبه قناة السويس في حركة التجارة العالمية. فهذا الممر البحري لا يربط فقط بين البحرين الأحمر والمتوسط، بل يربط أيضًا بين اقتصادات الشرق والغرب، ويختصر مسافات هائلة كانت ستقطعها السفن حول القارة الأفريقية.
لهذا السبب تحديدًا أصبحت مصر مرة أخرى نقطة جذب في الحسابات الاستراتيجية للقوى الدولية. فالدولة التي تتحكم في أحد أهم شرايين التجارة في العالم لا يمكن أن تكون بعيدة عن معادلات النفوذ والتنافس الدولي.
لكن ما يحدث اليوم ليس عودة إلى الماضي، ولا استنساخًا لعصر الإمبراطوريات. بل هو تعبير عن شكل جديد من التنافس الدولي، حيث تحل الاستثمارات والبنية التحتية والتجارة محل الجيوش والأساطيل.
العالم يتغير بسرعة. خطوط التجارة يعاد رسمها، وسلاسل الإمداد تتشكل من جديد، والقوى الكبرى تبحث عن نقاط ارتكاز قادرة على ضمان مصالحها الاقتصادية في زمن الأزمات العالمية والتوترات الجيوسياسية.
وفي قلب هذه التحولات تقف مصر، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل أيضًا بسبب قدرتها على أن تكون بوابة لأسواق واسعة تمتد من الشرق الأوسط إلى أفريقيا.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا تهتم القوى الكبرى بمصر اليوم، بل لماذا اكتشف العالم مجددًا ما كان يعرفه منذ قرون: أن من يقترب من مصر يقترب من قلب الطرق التي تتحرك عبرها التجارة والسياسة معًا.
فالجغرافيا، في النهاية، قد تتراجع أحيانًا أمام صخب السياسة، لكنها لا تختفي أبدًا… بل تعود دائمًا لتكتب الفصل الأخير من القصة.