الضاحية تحت النار… والخوف من الحرب الكبرى

 بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

في هذه اللحظات، تتعرض الضاحية الجنوبية لبيروت للقصف، فيما يعيش آلاف اللبنانيين حالة من الخوف والترقب والقلق على مصير أبنائهم ومنازلهم ومستقبلهم.

وفي الوقت الذي ترتفع فيه أعمدة الدخان وتتابع فرق الإسعاف والإنقاذ عملها، يقف اللبنانيون مرة أخرى أمام مشهد مؤلم يعيد إلى الذاكرة سنوات طويلة من الحروب والدمار والنزوح والخسائر التي لم تندمل جراحها بعد.

إن الذين يعيشون تحت القصف اليوم ليسوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل عائلات وأطفال وشيوخ وشباب لهم أحلامهم وحقوقهم في الحياة والأمان والكرامة. ومن حقهم أن يشعروا بأن وطنهم يقف إلى جانبهم وأن دولتهم تعمل لحمايتهم في هذه اللحظات العصيبة.

وإلى الذين يسارعون إلى تبرير ما يجري أو تحميل المدنيين مسؤولية ما يحدث، نقول إن الخلاف السياسي شيء ومعاناة الناس شيء آخر. قد يختلف اللبنانيون حول الأحزاب والسياسات والخيارات الاستراتيجية، لكن لا يجوز أن يتحول هذا الاختلاف إلى تبرير لمعاناة الأبرياء أو إلى فقدان التعاطف مع الضحايا الذين يدفعون ثمن الحروب والصراعات.

لكن الخوف اليوم لم يعد محصوراً بقصف الضاحية الجنوبية أو بإمكانية تمدد الغارات إلى مناطق لبنانية أخرى، بل بات يتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية نفسها.

فالسؤال الذي يطرحه اللبنانيون الآن ليس فقط: إلى أين سيصل القصف؟ بل أيضاً: ماذا سيحدث بعده؟

لقد سمع اللبنانيون خلال الأيام الماضية تصريحات وتحذيرات صادرة عن مسؤولين إيرانيين تحدثت عن أن استهداف الضاحية الجنوبية أو توسيع الاعتداءات على لبنان قد يقابله رد على إسرائيل. واليوم، ومع تجدد القصف، تزداد التساؤلات والشكوك والقلق في الشارع اللبناني.

ومع الساعات الأخيرة، ترددت تصريحات منسوبة إلى مسؤولين إيرانيين تتحدث عن ردّ عاجل وتطورات قد تشهدها المنطقة خلال وقت قريب. وبين هذه التصريحات والواقع الميداني المتسارع، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام سؤال مصيري: هل ستبقى الأمور ضمن حدود المواجهة الحالية، أم أن المنطقة تتجه نحو تصعيد أوسع قد يفتح أبواب حرب جديدة؟

لا أحد يملك جواباً حاسماً في هذه اللحظة. لكن ما يعرفه اللبنانيون جيداً هو أنهم لم يخرجوا بعد من آثار الحروب السابقة، ولم يتعافوا من الانهيار الاقتصادي والأزمات المتلاحقة التي أنهكت مجتمعهم ومؤسساتهم وأحلام شبابهم.

إن القلق الحقيقي لا يكمن فقط في الغارة التي تقع الآن، بل في الغارة التي قد تجر ما بعدها. ولا في الصاروخ الذي يسقط اليوم، بل في احتمال أن تنزلق المنطقة إلى مواجهة أوسع لا يعرف أحد حدودها أو نتائجها.

فالخوف الذي يسكن اللبنانيين هذه الليلة ليس فقط من القصف الذي يهز الضاحية، ولا من احتمال تمدده إلى مناطق أخرى، بل من أن تكون هذه الساعات مقدمة لمشهد أكبر وأخطر. فبين التهديدات والردود والردود المضادة، يبقى السؤال الذي يؤرق كل بيت لبناني: هل يكون هذا اليوم مجرد محطة جديدة في مسلسل التصعيد، أم بداية حرب جديدة لا يريدها أحد، ولا يحتملها لبنان؟

لقد تعب اللبنانيون من الحروب. تعبوا من انتظار التسويات ومن دفع أثمان الصراعات الإقليمية والدولية على أرضهم. يريدون أن يعيشوا كباقي شعوب العالم، في دولة مستقرة وآمنة، لا أن يبقوا أسرى الخوف من كل تصعيد جديد.

في هذه اللحظة الدقيقة، تبقى الأولوية حماية المدنيين ومنع انزلاق لبنان إلى حرب جديدة، لأن الوطن لم يعد يحتمل المزيد من الدماء والدمار والخسائر.

الرحمة للضحايا، والشفاء للجرحى، والصبر لعائلاتهم، وحفظ الله لبنان وشعبه من كل سوء..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى