أصوات ملائكية.. قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت

حسين سالم

اعداد – حسين سالم

كان صوته كنسمة إيمانية تهبط على القلوب فتبعث فيها السكينة والخشوع، حتى استحق عن جدارة لقب “قيثارة السماء”. إنه الشيخ محمد رفعت، أحد أعلام التلاوة في تاريخ الإسلام، وصاحب المدرسة الخاصة في الأداء القرآني التي ما زالت تأسر المستمعين رغم مرور العقود.

الميلاد والنشأة

وُلد الشيخ محمد رفعت بحي المغربلين بالقاهرة عام 1882، في أسرة عُرفت بحبها للقرآن الكريم. ومن المفارقات اللافتة أن اسمه جاء امتدادًا لاسم والده وجده، فهو: محمد رفعت بن محمود رفعت بن محمد رفعت، رحمهم الله جميعًا.

بداية حفظه للقرآن

لم يكن الطريق سهلًا أمام الطفل الصغير؛ فقد فقد بصره وهو في الثانية من عمره، لكن تلك المحنة لم تمنعه من أن يصبح أحد أعظم قراء القرآن. التحق بكُتّاب “بشتك” بمسجد فاضل باشا في درب الجماميز بحي السيدة زينب، وبدأ رحلة حفظ كتاب الله.

حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ محمد حميدة، الذي كان له فضل كبير في صقل موهبته، وكان يصطحبه لإحياء بعض الليالي القرآنية في الأحياء المجاورة، ليخطو أولى خطواته نحو الشهرة.

تعلمه علم القراءات

لم يكتفِ بالحفظ، بل واصل طلب العلم، فتلقى علوم القراءات والتجويد على يد الشيخ عبدالفتاح هنيدي، حتى حصل على الإجازة التي أهلته ليصبح من كبار أهل هذا الفن.

مسؤولية مبكرة

عندما بلغ التاسعة من عمره، توفي والده، فتحمل مسؤولية أسرته وهو لا يزال طفلًا. وكانت تلك المسؤولية سببًا في عدم تمكنه من الالتحاق بالأزهر الشريف لاستكمال دراسته النظامية.

ومع بلوغه الرابعة عشرة، بدأ في إحياء الليالي القرآنية، وسرعان ما ذاع صيته بين الناس، وازدادت الدعوات التي تطلب صوته العذب في المناسبات المختلفة.

إعجاب الملك فاروق والنحاس باشا

في الخامسة عشرة من عمره، تولى القراءة بمسجد فاضل باشا بالسيدة زينب، فالتف حوله المستمعون وأحبوا طريقته الفريدة في التلاوة. ولم يقتصر إعجاب الناس به على عامة الجمهور، بل وصل صداه إلى الملك فاروق والنحاس باشا، وكان الملك يحرص على الاستماع إليه بخشوع وتأثر.

وظل الشيخ محمد رفعت مقرئًا لمسجد فاضل باشا حتى اعتزاله، وفاءً للمسجد الذي شهد ميلاد نجوميته القرآنية.

أول صوت قرآني عبر الإذاعة المصرية

يُعد الشيخ محمد رفعت أول من تلا القرآن الكريم عبر الإذاعة المصرية عند افتتاحها عام 1934. لكنه رفض في البداية القراءة من خلالها، حتى استفتى شيخ الأزهر آنذاك، الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، الذي أجاز له ذلك، فوافق لتصبح تلاوته حدثًا تاريخيًا خالدًا في ذاكرة المصريين.

القراءة عبر الإذاعة البريطانية

لم تقتصر شهرته على مصر، إذ طلبت منه هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” العربية تسجيل تلاوات قرآنية لإذاعتها. وتردد الشيخ في البداية، ظنًا منه أن الأمر لا يجوز شرعًا لكون القائمين عليها غير مسلمين، لكنه استشار الإمام المراغي الذي أوضح له الحكم الشرعي وأخبره بعدم وجود ما يمنع ذلك، فسجل لهم سورة مريم، لتصل تلاوته إلى آفاق أوسع من العالم العربي.

رواية مؤثرة

ومن المواقف الإنسانية التي رويت عنه، أن شابًا طلب منه إحياء عزاء والده، فاعتذر الشيخ لضيق وقته. وخشي الشاب أن يكون السبب عدم قدرته على دفع الأجر المناسب.

لكن الشيخ رأى في منامه والدة الشاب تطلب منه قراءة العزاء الخاص بزوجها، فتراجع عن اعتذاره، واستأذن القراء الموجودين، وقرأ حتى نهاية العزاء تكريمًا لها، في موقف يكشف عن رقته وإنسانيته.

المرض والرحيل

في سنواته الأخيرة، أصيب الشيخ محمد رفعت بسرطان الحنجرة، فتوقف عن التلاوة بعد رحلة طويلة أمتع خلالها الملايين بصوته الملائكي.

وفي عام 1950، رحل عن عالمنا، ودُفن في أحد المدافن القريبة من مسجد السيدة نفيسة، وفقًا لوصيته.

رحم الله الشيخ محمد رفعت رحمة واسعة، وجزاه عن كتابه خير الجزاء، فقد ترك للأمة إرثًا خالدًا وصوتًا لا يزال يوقظ الخشوع في القلوب كلما صدح بآيات الذكر الحكيم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى