رسالة إلى فخامة رئيس الجمهورية

د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

فخامة الرئيس،

يمرّ لبنان اليوم بمرحلة دقيقة وخطيرة، يعيش خلالها المواطنون حالة من القلق والخوف على حاضرهم ومستقبل أبنائهم، وسط تحديات متراكمة وأحداث متسارعة تضع الوطن أمام استحقاقات مصيرية تتطلب أعلى درجات الحكمة والمسؤولية الوطنية.

في مثل هذه اللحظات، يتطلع اللبنانيون إلى موقع الرئاسة باعتباره رمز وحدة الوطن والضمانة الجامعة لكل أبنائه. لذلك، لا تسمح لأحد أن يجعل منكم طرفاً في نزاع بين اللبنانيين، أو أن يضع الرئاسة في موقع الانحياز لهذا الفريق أو ذاك. فأنتم رئيس الجمهورية ورئيس جميع اللبنانيين دون استثناء.

وكما عرفكم اللبنانيون قائداً للجيش حريصاً على وحدة المؤسسة العسكرية وجمع أبنائها تحت راية لبنان، نأمل أن يعرفوكم اليوم رئيساً يجمع ولا يفرّق، ويحتضن ولا يستبعد، ويقف على مسافة واحدة من الجميع دفاعاً عن الوطن والشعب والدولة.

فخامة الرئيس،

لقد سمع اللبنانيون باهتمام دعوتكم إلى أن يتحمل كل فرد مسؤوليته الوطنية. وهي دعوة تحمل في جوهرها معاني الالتزام والانتماء والحرص على الوطن. لكن كثيراً من المواطنين يتساءلون اليوم عن المقصود بهذه المسؤولية في ظل الظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان.

فهل المقصود أن يتحمل اللبناني مسؤولية الدفاع عن أرضه ووطنه في مواجهة الأخطار والاعتداءات؟ أم أن يتحمل مسؤولية دعم الدولة ومؤسساتها والسير خلف خياراتها؟ أم أن يتحمل تبعات مرحلة مليئة بالتحديات والانقسامات والمخاوف؟

إن اللبنانيين اليوم ليسوا في موقع واحد، ولا ينظرون إلى التحديات من زاوية واحدة. فهناك من يرى أن الأولوية المطلقة هي بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها، وهناك من يرى أن الأخطار المحيطة بلبنان لا تزال قائمة وأن عناصر القوة الوطنية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. وبين هذين الرأيين يقف ملايين اللبنانيين الذين يخشون على أمنهم ومستقبل أبنائهم ويريدون قبل كل شيء أن يشعروا بأن دولتهم تحميهم وتفهم هواجسهم.

ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية لا يجب أن تُفهم على أنها مطالبة لفئة بالتخلي عن قناعاتها أو القبول بخيارات لا تقتنع بها، بل يجب أن تكون مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن. فكما يُطلب من المواطن أن يتحمل مسؤوليته تجاه وطنه، يحق له أيضاً أن ينتظر من الدولة أن تتحمل مسؤوليتها في حمايته وصون كرامته والاستماع إلى هواجسه المشروعة.

فخامة الرئيس،

لقد تعب اللبنانيون من الانقسامات ومن لغة الغالب والمغلوب. وهم لا يريدون أن يشعر أي فريق بأن الدولة تقف ضده أو تستهدفه أو تتجاهل مخاوفه. فلبنان لا يُبنى بإلغاء أحد، ولا بإقصاء أحد، بل بالشراكة الحقيقية بين جميع أبنائه تحت سقف الدولة والقانون.

فخامة الرئيس ، 

استعينوا بالعقلاء، وما أكثرهم في لبنان. استمعوا إلى أصحاب الخبرة والحكمة، وإلى الذين لا تدفعهم المصالح الضيقة ولا الحسابات الآنية، بل يحملون همّ الوطن ومستقبله. فالأزمات الكبرى لا تُواجه بالرأي الواحد، بل بتلاقي العقول والخبرات والرؤى الوطنية الصادقة.

وفي الوقت نفسه، فإنّ المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات اليقظة والحذر. فلبنان يقع في قلب منطقة تعيش تحولات كبرى وصراعات مفتوحة، وتتشابك حوله مصالح دولية وإقليمية متعددة. لذلك، فإنّ كثيراً من اللبنانيين يأملون أن يبقى القرار الوطني اللبناني مستقلاً، وألا يقع لبنان في فخ الحسابات الخارجية أو رهانات الآخرين أو المشاريع التي قد تُرسم للمنطقة بعيداً عن إرادة شعبها ومصلحتها الحقيقية.

فخامة الرئيس، 

إن الدول تتحرك وفق مصالحها، أما أنتم فمسؤوليتكم الأولى هي مصلحة لبنان. لذلك نرجو أن تتعاملوا مع كل الضغوط والمبادرات والاقتراحات الدولية والإقليمية بأقصى درجات الحكمة والتبصر، وأن تنتبهوا إلى ما قد يُحاك للبنان في الكواليس السياسية كما تنتبهون إلى ما يُعلن على المنابر.

فلبنان دفع عبر تاريخه أثماناً باهظة نتيجة صراعات الآخرين على أرضه، ولا يحتمل اليوم أن يتحول مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات أو صندوق بريد للرسائل الإقليمية والدولية. إن اللبنانيين يريدون دولة قوية، لكنهم يريدون أيضاً قراراً وطنياً حراً يحفظ السيادة ويصون الكرامة الوطنية ويحمي مصالح البلاد العليا.

إن القائد الحكيم ليس من يحيط نفسه بمن يوافقه الرأي فقط، بل من يفتح أبوابه لكل فكرة مخلصة، ويستمع إلى نبض الناس كما يستمع إلى مستشاريه، ويبحث عن الحقيقة حيث تكون لا حيث يُراد لها أن تكون.

فخامة الرئيس،

إن مسؤوليتكم التاريخية اليوم تقتضي أن تكونوا صوت العقل والحكمة، وأن تحموا وحدة اللبنانيين، وأن تمنعوا اتساع الهوة بينهم. فالرئاسة القوية ليست تلك التي تنتصر لفريق على حساب آخر، بل تلك التي تجعل جميع اللبنانيين يشعرون بأنها بيتهم وضمانتهم وملاذهم الوطني الأخير.

وكونوا على نهج الرئيس العماد فؤاد شهاب، الذي بقي في ذاكرة اللبنانيين مثالاً لرئيس الدولة الجامع، الحريص على المؤسسات، والقريب من الناس، والساعي إلى ترسيخ العدالة والإنماء والتوازن بين جميع مكوّنات الوطن. فلبنان اليوم يحتاج إلى روح شهابية جديدة تُعلي شأن الدولة والقانون، وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

كونوا رئيساً لكل اللبنانيين كما أقسمتم يوم توليتم المسؤولية الوطنية. اجعلوا من الرئاسة مساحة لقاء لا ساحة انقسام، ومن الدولة مظلة للجميع لا عنواناً لغلبة فريق على آخر.

لا تسمحوا لأحد أن يأخذكم إلى حيث يزداد الانقسام، بل خذوا اللبنانيين إلى حيث يلتقون حول وطنهم. فلبنان اليوم يحتاج إلى رئيس لكل اللبنانيين، يحتاج إلى من يحمي وحدتهم ويصون كرامتهم ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

فالتاريخ لا يخلّد من كسب معركة سياسية عابرة، بل يخلّد من حافظ على وطنه وشعبه ووحدته في أصعب اللحظات.

حفظ الله لبنان وشعبه، ووفقكم لما فيه خير الوطن وأبناءه…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى