الدولة التي تتذكّر المواطن عندما تريد أن تُغرّمه

د. ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي
وصلت إلى هواتف اللبنانيين رسالة من وزارة المالية تقول بوضوح: «ضرورة الالتزام بالموجبات المتعلقة بصاحب الحق الاقتصادي، لا سيما لجهة التصريح والتحديث، تحت طائلة فرض الغرامات».
نحن لا نعترض على تطبيق القانون، ولا على حق الدولة في معرفة المعلومات المالية والقانونية للمكلفين. بل إن الدولة القوية تحتاج إلى نظام ضريبي واضح وعادل، وإلى مكافحة التهرب المالي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه على الدولة اليوم هو، ماذا عن موجبات الدولة تجاه المواطن؟
لماذا تتذكر الدولة المواطن عندما تريد منه أن يصرّح، وأن يدفع، وأن يحدّث معلوماته، وأن يلتزم بالمواعيد، وأن يتحمل الغرامات؟
أين هي الدولة عندما يحتاج المواطن إلى كهرباء مستقرة؟
أين هي عندما يدفع الضرائب والرسوم ثم يضطر إلى دفع كلفة المولد والمياه والطبابة والتعليم والنقل وغيرها من الخدمات التي يفترض أن تكون الدولة مسؤولة عنها؟
أين هي عندما تتراجع القدرة الشرائية للبناني، وتنهار قيمة مدخراته، ويصبح تأمين أبسط مقومات الحياة عبئًا يوميًا؟
لماذا تكون عبارة «تحت طائلة الغرامة» حاضرة بهذه القوة في علاقة الدولة بالمواطن، بينما لا نسمع عبارة مماثلة عندما تتأخر الدولة عن القيام بواجباتها؟
إذا تأخر المواطن عن تصريح، هناك غرامة.
وإذا أخطأ في معاملة، يدفع.
وإذا تأخر في تسديد رسم، تُحتسب عليه غرامات.
لكن ماذا يحدث عندما تتأخر الدولة في تأمين حق من حقوقه؟
من يدفع للمواطن ثمن التأخير؟
ومن يحاسب الوزارة عندما تفشل في تقديم الخدمة التي يدفع المواطن مقابلها؟
المشكلة ليست في رسالة وزارة المالية وحدها، بل في فلسفة العلاقة بين المواطن والدولة.
لا يجوز أن تكون الدولة قوية فقط عندما تجمع المال، وضعيفة عندما يتعلق الأمر بتقديم الخدمة والمحاسبة والإصلاح.
المواطن اللبناني ليس مجرد «مكلّف» في سجلات الدولة.
إنه مواطن يدفع الضرائب والرسوم”للأسف” ، ويموّل الدولة من جيبه، ومن حقه أن يعرف أين تذهب أمواله، وماذا يحصل في المقابل.
نريد دولة تقول للمواطن«التزم بواجباتك، وسنلتزم نحن بحقوقك».
لا دولة تقول له فقط «ادفع… صرّح… حدّث معلوماتك… وإلّا الغرامة».
فالعدالة لا تكون بأن نطالب المواطن بكل واجباته، ثم نترك حقوقه معلّقة.
قبل أن تسأل الدولة المواطن ماذا تملك؟ ومن هو صاحب الحق الاقتصادي؟ عليها أن تجيب المواطن أيضًا ماذا فعلتِ من أجل صاحب الحق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي هو المواطن اللبناني؟
هذه ليست دعوة إلى مخالفة القانون، بل دعوة إلى تطبيق القانون على الطرفين.
فالدولة التي تريد مواطنًا ملتزمًا، عليها أولًا أن تكون دولةً ملتزمة.
المواطن ليس خزينةً متنقلة… والمواطنة ليست ضريبةً تُدفع.