وجع حقيقي.. نُعلِّم المعلم أم التلميذ؟

طوّرنا المناهج.. وتركنا الآباء في حيرة!
من يشرح للأسرة كيف تواكب تعليم أبنائها؟

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بأسئلة أولياء الأمور وحيرتهم أمام التحديثات الجديدة، لتضيف إلى أعبائهم عبئًا آخر فوق أعباء التعليم ومشاكله.
ألم يكن من الضروري أن تسبق هذه التغييراتَ طريقةٌ واضحة لإبلاغ الآباء والأمهات بما استُحدث، وما المطلوب منهم ومن أبنائهم؟
فالتطوير الحقيقي لا يبدأ بالمناهج وحدها، بل يبدأ أيضًا بتأهيل الأسرة وتعريفها بكيفية التعامل مع هذا التغيير حتى لا تتحول عملية الإصلاح إلى مصدر جديد للحيرة والقلق.

فتح الملف على خليل:

كيف نُشرك الأسرة في تطوير التعليم بدلًا من أن نتركها تواجهه وحدها؟

التعليم الذي حوّل البيت إلى مدرسة.. والمدرسة إلى امتحان.. والامتحان إلى أزمة أسرة

هناك وجع لا يظهر في تقارير الوزارة، ولا في نتائج الامتحانات، ولا في جداول الإحصاءات. وجع تعيشه الأسرة المصرية يوميًا، عندما تتحول رحلة تعليم الأبناء من حلم ببناء المستقبل إلى سلسلة طويلة من القلق والإنفاق والضغط النفسي ووجع الدماغ.

الأب يعمل طوال اليوم، والأم تحمل فوق مسؤوليات البيت مسؤولية متابعة المدرسة والواجبات والدروس والامتحانات، والتلميذ ينتقل من المدرسة إلى الدرس، ومن الدرس إلى المراجعة، ومن المراجعة إلى امتحان يخشى نتيجته، بينما تظل الأسرة كلها معلقة بين سؤالين: هل يتعلم ابننا فعلًا؟ وهل ما يتعلمه اليوم سيمنحه القدرة على مواجهة عالم الغد؟

المشكلة أن التعليم لم يعد مجرد علاقة بين المعلم والتلميذ. لقد دخلت الأسرة إلى قلب العملية التعليمية، وأصبحت مطالبة بأن تتابع وتشرح وتراجع وتبحث عن مدرس وتدفع مقابل دروس إضافية وتلاحق الامتحانات والدرجات والتنسيق، حتى أصبح بعض الآباء يشعرون أنهم عادوا إلى المدرسة من جديد، ولكن هذه المرة من دون أن يكون لهم مقعد في الفصل.

وهنا يظهر السؤال الذي ربما نخشى أن نسأله بصراحة:

هل نحن نُعلِّم التلميذ فعلًا، أم أننا نعلِّم الأسرة كيف تنجو به من النظام التعليمي؟

المعلم.. هل يحتاج إلى أن يتعلم من جديد؟

ليس من العدل أن نضع كل أوجاع التعليم فوق كتفي المعلم. فالمعلم نفسه جزء من الأزمة، لكنه في الوقت نفسه أحد أكثر من يدفع ثمنها.

المعلم اليوم لا يتعامل مع التلميذ الذي عرفه التعليم قبل عشرين أو ثلاثين عامًا. أمامه جيل مختلف؛ طفل يمتلك هاتفًا يستطيع أن يبحث به عن المعلومة قبل أن ينتهي المعلم من شرحها، ويشاهد فيديو تعليميًا من دولة أخرى، ويتواصل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، ويعيش في عالم مفتوح لا تعترف معلوماته بحدود الفصل الدراسي.

وهذا التغيير يفرض سؤالًا مهمًا: هل تغيرت أدوات إعداد المعلم بالسرعة نفسها التي تغير بها التلميذ؟

لم يعد كافيًا أن يعرف المعلم المادة التي يدرسها. نحن بحاجة إلى معلم يعرف كيف يجعل الطالب يفكر، وكيف يكتشف موهبته، وكيف يتعامل مع الاختلاف بين الطلاب، وكيف يستخدم التكنولوجيا دون أن يتحول الفصل إلى شاشة، وكيف يميز بين الطالب الذي يحتاج إلى شرح إضافي والطالب الذي يحتاج إلى ثقة وتشجيع.

المعلم الذي سيقود تعليم المستقبل لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل للمعلومة، لأن المعلومة أصبحت متاحة للجميع. دوره الحقيقي يجب أن يتحول تدريجيًا إلى صانع للعقل، ومكتشف للموهبة، وموجه للإنسان.

وهنا لا يكون السؤال: هل نُعلِّم التلميذ؟

بل يصبح السؤال الأكبر:

من يُعلِّم المعلم كيف يُعلِّم التلميذ الجديد؟ولي الأمر.. أصبح طالبًا في مدرسة لا تنتهي

في الماضي كان الأب يسأل ابنه بعد عودته من المدرسة: «ماذا درست اليوم؟».

أما اليوم فقد يجد نفسه أمام منظومة كاملة تحتاج إلى متابعة يومية: واجبات، مجموعات، دروس، امتحانات، منصات إلكترونية، مشروعات، مجموعات تواصل، ومواعيد لا تنتهي.

وبعض الأسر أصبحت تعيش مع أبنائها حالة طوارئ تعليمية مستمرة.

كل اختبار أزمة، وكل نتيجة مناسبة عائلية، وكل انخفاض في الدرجات يتحول إلى تحقيق، وكل مقارنة مع ابن الجيران أو قريب العائلة تتحول إلى ضغط جديد على الطفل.

وهنا نخسر شيئًا بالغ الأهمية: فرحة التعلم.

فالطفل الذي يربط المعرفة بالخوف من الدرجة، والتعليم بالخوف من العقاب، والمدرسة بالخوف من الامتحان، قد ينجح في عبور مرحلة دراسية، لكنه لا يتعلم بالضرورة كيف يحب المعرفة أو يبحث عنها أو يستخدمها في حياته.

والأخطر عندما يصبح هم الأسرة الأول هو: «كم جبت؟»، بدلًا من السؤال: «ماذا تعلمت؟»

الفرق بين السؤالين ليس لغويًا، وإنما هو الفرق بين نظام يريد صناعة إنسان، ونظام قد ينتهي به الأمر إلى صناعة رقم في كشف الدرجات.

وعندما يصبح الامتحان هو الهدف، تبدأ المنظومة كلها في الدوران حوله.

من أكبر مشكلات التعليم أن الامتحان في بعض الأحيان يتحول من وسيلة لقياس التعلم إلى غاية يسعى الجميع إليها.

المعلم يشرح ما سيأتي في الامتحان، والطالب يحفظ ما يحتاج إليه في الامتحان، والأسرة تدفع في اتجاه ما يساعد ابنها على الامتحان، والدرس الخصوصي يصبح وسيلة، والمذكرة تصبح وسيلة، والمراجعة النهائية تصبح وسيلة، ثم ينتهي الامتحان وينتهي معه جزء كبير من المعرفة التي لم تتحول إلى مهارة أو شخصية أو قدرة على التفكير.

وهنا نعود إلى سؤال الغش الذي تناولناه من قبل.

إذا كانت قيمة الطالب تختزل في الدرجة، وإذا كانت الدرجة هي الطريق إلى الجامعة والمستقبل، وإذا أصبح المجتمع يقيس النجاح بالنتيجة أكثر مما يقيسه بالقدرة، فكيف نستغرب أن يبحث البعض عن الطريق الأقصر إلى الدرجة؟

الغش إذن ليس مجرد مشكلة أخلاقية داخل لجنة الامتحان، وإن كان فعلًا مرفوضًا أخلاقيًا وقانونيًا. لكنه أيضًا جرس إنذار يكشف خللًا أوسع في فلسفة التعليم عندما يصبح الوصول إلى النتيجة أهم من بناء الإنسان.

المدرسة ليست مبنى.. والجامعة ليست نهاية الطريق

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف معنى المدرسة.

المدرسة ليست مكانًا يذهب إليه الطفل في الصباح ثم يعود منه بعد ساعات. المدرسة هي أول مؤسسة يتعلم فيها الطفل معنى النظام، والاختلاف، والحوار، والمسؤولية، واحترام الآخر، والعمل الجماعي، وقبول النجاح والفشل.

ومن المدرسة يبدأ تكوين المواطن.

ولهذا فإن إصلاح التعليم لا يمكن أن يبدأ فقط بتغيير كتاب أو إضافة مادة أو حذف أخرى. الإصلاح الحقيقي يبدأ من السؤال الأساسي: أي إنسان نريد أن تخرج به المدرسة المصرية؟

هل نريد طالبًا يحفظ الإجابة الصحيحة؟
أم نريد إنسانًا يستطيع أن يكتشف السؤال الصحيح؟
هل نريد طالبًا يخشى الخطأ؟
أم إنسانًا يتعلم من خطئه؟
هل نريد خريجًا يبحث عن وظيفة؟

أم إنسانًا يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على صناعة فرصة جديدة؟

هذه ليست أسئلة فلسفية بعيدة عن واقعنا. إنها أسئلة اقتصادية واجتماعية وأمنية ومستقبلية؛ لأن الدولة التي لا تبني الإنسان الذي يستطيع إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والقيمة المضافة ستظل تدور في دائرة الحاجة إلى الآخرين.

الأسرة والمعلم والطالب.. ثلاثة أطراف في معركة واحدة

لا يمكن إصلاح التعليم بإلقاء المسؤولية على طرف واحد.

الأسرة تحتاج إلى أن تتعلم كيف تدعم ابنها دون أن تتحول إلى مدير مدرسة داخل المنزل.

والمعلم يحتاج إلى تدريب حقيقي ومستمر يواكب تغير الطالب والعالم.

والطالب يحتاج إلى أن يعرف أن التعليم ليس سباقًا للحصول على درجة، وإنما بناء طويل لشخصيته وقدراته.

والدولة عليها مسؤولية أن تجعل هذه الأطراف الثلاثة تعمل داخل منظومة واضحة ومستقرة، لا تتغير فلسفتها مع كل موجة تغيير، ولا تجعل كل جيل من الطلاب حقلًا لتجربة جديدة.

التعليم يحتاج إلى استمرارية.

فالطفل الذي يدخل المدرسة في السادسة من عمره سيعيش في سوق عمل مختلف تمامًا عندما يبلغ العشرين أو الخامسة والعشرين. ولذلك لا يجوز أن نبني تعليمه فقط على احتياجات اليوم.

علينا أن نعلمه لعالم لم يأت بعد.

الوجع الحقيقي ليس في كثرة الامتحانات..

وإنما في ضياع الهدف

ربما يكون أكبر وجع في قضية التعليم المصرية أننا انشغلنا طويلًا بالسؤال: كيف نُنجح الطالب؟

بينما السؤال الذي يجب أن يسبق كل الأسئلة هو:

كيف نصنع إنسانًا يستطيع أن ينجح في الحياة؟

النجاح الحقيقي ليس أن يحفظ الطفل كتابًا ثم ينساه بعد الامتحان، وليس أن يحصل على مجموع مرتفع ثم يكتشف بعد سنوات أنه لا يمتلك مهارة العمل أو التفكير أو التواصل أو الابتكار.

التعليم الحقيقي هو أن يخرج الطفل من المدرسة وهو أكثر قدرة على فهم نفسه، وفهم العالم، واحترام الآخر، والعمل معه، وحل المشكلة، وصناعة الحل، وتحويل المعرفة إلى إنتاج.

عندها فقط لن يكون التعليم عبئًا على الأسرة، ولن يكون المعلم مجرد موظف يؤدي منهجًا، ولن يكون الطالب أسيرًا للدرجة.

سنكون قد انتقلنا من تعليم يطارد الامتحان إلى تعليم يصنع المستقبل.

وهنا ربما نجد الإجابة عن السؤال الأول:

هل نُعلِّم المعلم أم التلميذ؟

الحقيقة أننا نحتاج إلى أن نُعلِّم الاثنين معًا، لكن قبل ذلك نحتاج إلى أن نُعيد تعليم المنظومة نفسها كيف تُعلِّم.

لأن المشكلة لم تعد في أن التلميذ لا يعرف ما يكفي، وإنما في أننا لم نعد متأكدين تمامًا: ماذا نريد أن يعرف؟ ولماذا؟ وإلى أي مستقبل نُعده؟

وهذا هو الوجع الحقيقي.

——————————

مصادر ومراجع

وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني – الخطة الاستراتيجية للتعليم 2024–2029.
منظمة اليونيسف – تقارير وبرامج التعليم في مصر.
منظمة اليونيسف – برنامج تحسين مهارات القراءة ومهمة مصر الوطنية لمحو الأمية.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى