هل ننتظر المهدي.. أم أن المهدي هو من ينتظرنا؟

بقلم: محمد غزال – مفكر سياسي
ظل الحديث عن المهدي حاضراً في الوعي الديني والشعبي لقرون طويلة، وتعددت حوله القراءات والتأويلات، حتى تحول في بعض الأحيان من مدخل للتفكير في مسؤولية الإنسان إلى حالة انتظار طويل.
ينشغل البعض بأسئلة: متى يظهر المهدي؟ وأين تكون البيعة؟ وما طبيعة المرحلة التي تسبق ظهوره؟ لكن سؤالاً آخر أكثر التصاقاً بواقع الناس يفرض نفسه: هل المطلوب أن تنتظر الأمة قائداً يغير واقعها، أم أن عليها أن تغير ما بنفسها أولاً لتصبح قادرة على صناعة نهضتها؟
هذه المقاربة لا تتعامل مع قضية المهدي كمشروع للتنبؤ بالمستقبل وتحديد المواعيد، بل تنظر إليها من زاوية أوسع تتصل بالسنن التي تحكم حركة المجتمعات، وبالأمانة الحضارية الملقاة على عاتق الإنسان.
فالتاريخ لا يصنعه فرد بمفرده مهما بلغت مكانته، بل تصنعه تفاعلات مركبة من الأفكار والقيم والوعي والإرادة الجماعية والظروف السياسية والاجتماعية. وأي تصور للنهوض يقوم على انتظار شخصية استثنائية وحدها قد يحول الأمل إلى سكون، بينما النهضة في جوهرها فعل يومي متراكم يبدأ ببناء الإنسان قبل انتظار القائد.
أولاً: التغيير يبدأ من الإنسان
من أوضح القواعد القرآنية في مسؤولية الإنسان قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
الآية تنقل الإنسان من موقع المتفرج إلى موقع المسؤول. فالمجتمعات لا تنتقل من الضعف إلى القوة بالأمنيات، ولا من التراجع إلى التقدم بانتظار الظروف المواتية، وإنما بتغيير في الأفكار والسلوك والقيم وأنماط العمل، وبتقديم المصلحة العامة على النزعات الفردية.
التمكين ليس لحظة مفاجئة، بل مسار طويل. فقبل أن تملك الأمة القدرة على التأثير في محيطها، عليها أن تملك مقومات القوة الداخلية: الوعي، والتعليم، والتماسك الاجتماعي، والعدل، والانضباط، والقدرة على إنتاج المعرفة وإدارة الموارد وتحقيق التكافل. وانتظار التغيير دون المشاركة في صناعته يتحول إلى تواكل، بينما العمل على إصلاح الواقع ينسجم تماماً مع مبدأ المسؤولية الذي يجعل الإنسان محاسباً عن سعيه.
ثانياً: المنهاج.. حين تصبح المرجعية أساساً للبناء
المنهاج هو الركن الأول في أي مشروع إصلاحي. فالأمة بلا مرجعية واضحة تقع في التخبط الفكري وتصبح عرضة لتناقض الشعارات وتبدل الاتجاهات.
وفي التصور الإسلامي تمثل مصادر التشريع إطاراً ناظماً للقيم. لكن وجود المرجعية وحده لا يكفي؛ فالعبرة ليست في امتلاك النصوص، بل في القدرة على تحويلها إلى سلوك اجتماعي وممارسة أخلاقية ومؤسسات عادلة.
العدل، والأمانة، وإتقان العمل، واحترام الإنسان، وصيانة الحقوق، ومقاومة الظلم والفساد، ليست مفاهيم نظرية فحسب، بل قيم لا تصبح فاعلة إلا عندما تتحول إلى ثقافة عامة. وهنا تظهر الفجوة بين معرفة المنهاج وتطبيق المنهاج.
ثالثاً: الجماعة.. من التجمع إلى المسؤولية المشتركة
الركن الثاني هو الجماعة، ليس بالمعنى العددي، بل بوصفها حاضنة للقيم والعمل المشترك. فالنهضة لا تقوم على جهود فردية متفرقة، وإنما على مجتمع تتكامل فيه الأدوار وتنتقل فيه المسؤولية من شعار فردي إلى مشروع جماعي.
ومن هنا تأتي أهمية مفاهيم الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفروض الكفايات، باعتبارها تعبيراً عن مسؤولية المجتمع تجاه نفسه.
الجماعة القادرة على النهوض هي التي تبني الثقة وتقبل الاختلاف المنضبط وتقدم العمل على الشعارات. أما إذا تحولت إلى صراع داخلي وتبادل للاتهامات، فإنها تفقد أهم عناصر قوتها. فالتمكين يحتاج تماسكاً اجتماعياً يدير الاختلاف دون أن يهدم الأساس المشترك.
رابعاً: أرض الإعداد.. النهضة لا تولد من الفراغ
كل مشروع حضاري يحتاج إلى بيئة تنتج الإنسان القادر على حمله. وقد ارتبطت مراحل مهمة من بناء الدولة في الذاكرة الإسلامية بمكة والمدينة، مما يوضح أن التحول الكبير لم يبدأ بامتلاك السلطة، بل سبقه إعداد فكري وإيماني واجتماعي طويل.
أما ربط مراحل مستقبلية محددة بأماكن بعينها والجزم بأن الإعداد سيحدث وفق تسلسل جغرافي معين، فهو اجتهاد وتفسير لا ينبغي التعامل معه كحقيقة قطعية بلا دليل واضح.
أرض الإعداد الحقيقية هي كل بيئة تنتج إنساناً مسؤولاً: كل مؤسسة تربي على العلم والانضباط، وكل مجتمع يواجه الفساد بالوعي، وكل مدرسة تبني التفكير، وكل بيت يغرس الأخلاق، وكل مساحة عامة تسمح بالحوار الرشيد.
خامساً: القائد.. نتيجة للبناء وليس بديلاً عنه
يبقى القائد، وتحديداً شخصية المهدي في الموروث الإسلامي المتعلق بأشراط الساعة، هو الركن الرابع.
غير أن الخلاصة الأهم بعيداً عن التحديدات الزمنية، هي أن القائد لا يمكن أن يعوض غياب المجتمع القادر على حمل مشروع كبير. فالقائد مهما بلغت قدرته يحتاج إلى بيئة اجتماعية ومؤسسات ورجال ونساء يحملون المسؤولية.
لذا فالسؤال الأهم ليس فقط: من هو القائد القادم؟ بل: ما نوع المجتمع الذي سيستطيع الاستجابة لمشروع إصلاحي كبير إذا جاء؟ هنا تتحول الفكرة من انتظار شخص إلى بناء أمة.
بين الأمل والتواكل
الإيمان بإمكان تغير الأحوال مصدر للأمل، لكن الأمل يفقد قيمته إذا تحول إلى بديل عن العمل. هناك فرق بين من يؤمن بأن المستقبل يحمل تحولاً فيعمل على إصلاح نفسه، وبين من يتخذ الانتظار ذريعة لتأجيل المسؤولية.
التاريخ يؤكد أن التحولات الكبرى تحتاج مقدمات. وحتى عندما ترتبط أحداث كبرى في الموروث الديني بعوامل غيبية، فإن ذلك لا يلغي مسؤولية الإنسان في حاضره.
المطلوب هو الانتظار الإيجابي الذي يدفع إلى التعلم والعمل وبناء المؤسسات وحماية المجتمع من الانقسام، لا الانتظار السلبي الذي يعطل الإرادة.
النهضة ليست شعاراً دينياً فقط
مقومات الإعداد في المجتمعات المعاصرة لا تقتصر على المجال الديني. فالأمة القوية تحتاج إلى تعليم جيد واقتصاد منتج وعدالة اجتماعية ومؤسسات فعالة وبحث علمي وتكنولوجيا وإعلام مسؤول وشباب يمتلك التفكير النقدي وثقافة تحترم العمل.
كما تحتاج منظومة أخلاقية تمنع القوة من التحول إلى استبداد، والاختلاف من التحول إلى كراهية، والدين من أن يصبح شعارات منفصلة عن السلوك.
الخلاصة: لا تنتظر المستقبل.. ابنِ الإنسان الذي يستحقه
قد يكون السؤال الأعمق في النهاية ليس: هل نحن ننتظر المهدي أم أن المهدي ينتظرنا؟ بل: هل نحن مستعدون أصلاً لتحمل مسؤولية أي نهضة؟
فالتغيير الحضاري لا يبدأ بالبحث عن منقذ من الخارج، بل ببناء مجتمع قادر على حماية قيمه وإنتاج المعرفة وتحقيق العدل.
الأمم لا تُقاس بما تملكه من موارد، بل بما تملكه من إنسان قادر على تحويل الموارد إلى قوة، والمعرفة إلى تقدم، والقيم إلى سلوك، والأمل إلى عمل.
فإن كان المستقبل يحمل تحولات كبرى، فإن أفضل ما يمكن فعله اليوم هو أن نكون أكثر علماً ووعياً وتماسكاً وعدلاً وقدرة على تحمل المسؤولية. فالنهضة لا تبدأ عندما يأتي القائد، بل عندما يصبح المجتمع جديراً بالنهوض.