الشرق الأوسط على حافة الهاوية… فمن يجرؤ على إيقاف ساعة الانفجار؟

بفلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

لم يعد الشرق الأوسط يعيش مرحلة حرب أو سلام، بل دخل منطقة رمادية تتعايش فيها احتمالات الانفجار مع محاولات الاحتواء. فكل أزمة تنتهي عند حافة الهاوية، وكل تهدئة تبدو وكأنها استراحة قصيرة قبل اختبار جديد.

المشهد الإقليمي اليوم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فالقوى الكبرى تدرك أن الحرب الشاملة لن تُنتج منتصرًا حقيقيًا، وأن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة بين دولتين، بل ستتحول إلى أزمة عالمية تمتد آثارها إلى الاقتصاد الدولي، وأسواق المال، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، وحركة الملاحة في أهم الممرات البحرية.

إن أخطر ما يواجه المنطقة ليس إعلان الحرب، بل سوء التقدير السياسي أو العسكري. فكثير من الحروب الكبرى في التاريخ لم تبدأ بقرار مدروس، بل بسلسلة من الأخطاء في الحسابات، والتصعيد المتبادل، والاعتقاد بأن الطرف الآخر سيتراجع في اللحظة الأخيرة. وعندما يكتشف الجميع أن خطوط العودة قد أُغلقت، يكون الأوان قد فات.

واليوم، تتشابك مصالح الولايات المتحدة، وإيران، وإسرائيل، ودول الخليج، وروسيا، والصين، وأوروبا، في معادلة بالغة الحساسية. وكل طرف يمتلك أوراق ضغط، لكنه يدرك أيضًا أن استخدام هذه الأوراق إلى أقصى حد قد يحرق الجميع في الوقت نفسه.

من هنا، فإن المسؤولية التاريخية تقع على عاتق صناع القرار. فالقوة الحقيقية لا تكمن في إشعال الحروب، بل في القدرة على منعها قبل أن تصبح خارج السيطرة. والانتصار الحقيقي ليس في توسيع ساحات المواجهة، بل في حماية الشعوب، وصون الاقتصادات، والحفاظ على استقرار المنطقة.

إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة، بل إلى رؤية جديدة؛ رؤية تُعيد الاعتبار للدبلوماسية، وللحوار، ولمعادلة المصالح المتبادلة. فالسلام العادل لا يُبنى على الاستسلام، كما أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى توازن يراعي أمن جميع الأطراف ويحترم سيادة الدول.

ويبقى السؤال الذي سيحدد شكل السنوات المقبلة: هل ينتصر العقل قبل أن تفرض الوقائع الميدانية حربًا لا يريدها أحد، أم أن خطأً واحدًا في الحسابات سيغيّر وجه الشرق الأوسط لعقود قادمة؟

إن التاريخ يُعلّمنا أن الحروب تبدأ في لحظة، أما إنهاؤها فقد يحتاج إلى سنوات طويلة، وأن ثمن السلام، مهما بدا صعبًا، يبقى أقل بكثير من ثمن حرب لا يعرف أحد كيف ستنتهي…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى