ميلوني تعبر البرلمان… لكن “الرصاصة الصامتة” انطلقت من داخل ائتلافها

تحليل إخباري – إعداد: علي خليل

لم يكن أخطر ما واجهته رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني هو هجوم المعارضة…

بل الصوت الذي خرج من داخل معسكرها.

فبينما أعلنت الحكومة انتصارها بعد موافقة مجلس النواب على مشروع قانون الانتخابات بأغلبية 217 صوتًا مقابل 152، كانت الحقيقة السياسية أكثر تعقيدًا؛ إذ سبق هذا الانتصار بساعات سقوط أهم تعديل في القانون خلال اقتراع سري بفارق صوت واحد فقط (188 مقابل 187)، وهو ما كشف لأول مرة منذ وصول ميلوني إلى السلطة أن الانضباط داخل ائتلاف اليمين لم يعد كما كان.

هذه ليست مجرد خسارة إجرائية…

إنها رسالة سياسية تقول إن معركة ميلوني الحقيقية بدأت من داخل بيتها.


قانون الـ42%… محاولة لإنهاء نصف قرن من عدم الاستقرار

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تعاقبت على إيطاليا عشرات الحكومات، وأصبحت البلاد واحدة من أكثر الديمقراطيات الأوروبية تبدلًا للحكومات.

ولهذا جاءت ميلوني بما تسميه “إصلاح الاستقرار”.

يقوم المشروع على منح الائتلاف الذي يحصل على 42% من الأصوات مكافأة أغلبية تبلغ 70 مقعدًا في مجلس النواب و35 مقعدًا في مجلس الشيوخ، مع وضع سقف يمنع احتكار البرلمان بالكامل، بحيث لا تتجاوز الأغلبية 220 نائبًا و113 عضوًا في مجلس الشيوخ. وإذا لم يحقق أي ائتلاف هذه النسبة، يعود النظام إلى التمثيل النسبي الكامل.

لكن الرقم 42% ليس مجرد معادلة انتخابية…

إنه معادلة سياسية.

فهو يجبر أحزاب اليمين الثلاثة على البقاء معًا، لأن أياً منها لا يستطيع الوصول إليه منفردًا.


التصويت السري… عندما يصبح العدو داخل الخندق

كل الحكومات تخشى المعارضة…

أما الحكومات القوية فتخشى التصويت السري.

في تلك اللحظة اختفت الانتماءات الحزبية، ولم يعد أحد يعرف من صوّت مع الحكومة ومن صوّت ضدها.

النتيجة كانت صادمة…

سقوط التعديل الذي كانت ميلوني تعتبره أحد أعمدة الإصلاح.

الصحف الإيطالية تحدثت عن وجود نواب من داخل الأغلبية كسروا الانضباط الحزبي، فيما بدأت داخل حزب “إخوة إيطاليا” عملية بحث عن “المتمردين”.

حتى إن بعض القيادات استخدمت تعبيرًا شديد الحساسية في التاريخ الإيطالي، حين وصفتهم بـ”البادوليانيين”، في إشارة إلى المارشال بادوليو الذي انقلب على موسوليني عام 1943، وهو ما يعكس حجم الغضب داخل الحزب، رغم نفي شركاء الائتلاف وجود أي تمرد منظم.


هل بدأت نهاية التحالف؟

السؤال الذي يتردد الآن في روما ليس:

هل يمر القانون؟

بل:

هل يبقى التحالف؟

فالقانون الجديد يمنح ميلوني قدرة أكبر على إعادة رسم تحالفاتها.

وإذا وجدت شركاء أكثر فائدة انتخابيًا، فلن تتردد في استبدال بعض الحلفاء الحاليين.

وهنا يظهر اسم جديد يشغل الأوساط السياسية الإيطالية…

الجنرال السابق روبرتو فاناتشي.

حزبه الصاعد يقترب من 5% في استطلاعات الرأي، بل بدأ يتجاوز حزب “الرابطة” في بعض القياسات، ما يجعله لاعبًا قد يحدد شكل الحكومة المقبلة، سواء بدعم ميلوني أو بتفتيت أصوات اليمين.


المعارضة… الخاسر الذي يحتفل

رغم خسارتها التصويت النهائي، خرجت المعارضة أكثر اطمئنانًا.

فهي لم تمنع القانون…

لكنها نجحت في إثبات أن الأغلبية ليست كتلة صلبة.

وهذا ربما يكون أهم مكسب سياسي قبل انتخابات 2027.

فالمعارضة تدرك أن أي تصدع جديد داخل الائتلاف قد يغير المشهد بالكامل، خصوصًا أن القانون ما زال ينتظر معركة أصعب داخل مجلس الشيوخ بعد العطلة الصيفية، حيث تبدو الأغلبية أقل راحة مما هي عليه في مجلس النواب.


قراءة استراتيجية

ميلوني لا تخوض معركة قانون انتخابي…

بل تخوض معركة على شكل الجمهورية الإيطالية خلال العقد المقبل.

فإذا نجح القانون، ستصبح الحكومات المقبلة أكثر استقرارًا، وسيضطر الجميع إلى بناء تحالفات واضحة قبل الانتخابات.

أما إذا سقط في مجلس الشيوخ، فسيكون ذلك ثاني إخفاق سياسي كبير بعد خسارة الاستفتاء على الإصلاح القضائي، وهو ما سيمنح المعارضة دفعة قوية قبل الانتخابات المقبلة.


لكن ؟

قد تبدو نتيجة 217 صوتًا مقابل 152 انتصارًا واضحًا…

لكن السياسة لا تُقرأ بالأرقام وحدها.

فالرقم الأخطر في هذه الأزمة ليس 217…

ولا 152…

بل 188 مقابل 187.

ففي ذلك التصويت السري، اكتشفت جورجيا ميلوني أن الطريق إلى انتخابات 2027 لن يكون مليئًا بالخصوم فقط، بل بالمشككين داخل صفوفها أيضًا.

لقد ربحت جولة البرلمان…

لكنها فتحت في الوقت نفسه معركة أكثر خطورة: معركة الثقة داخل الائتلاف الحاكم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى