مزاد المحجوب قصة يكتبها : على مقلد

لم يكن “خلف الله” ابناً؛ كان ثقباً في جدار هيبة حامد إبراهيم. ولد بملامح ملائكية غلفها صمتٌ أبديّ، فصار “العار” الذي يطوف الأزقة عارياً، يخدش كبرياء تاجر الأقمشة الذي تزوج أربعاً لينجب “ولياً للعهد”، فإذا به يُرزق بغصةٍ في الحلق.
وخلف الجدران العالية، ذبلت شقيقاته الثلاث كخيوط منسية؛ كانت “سكينة” -أكبرهن- تهمس لهن خلف الأبواب الموصدة: “نحن مسجونات في زنزانة واحدة.. هو بجنونه، ونحن بعاره”. كنّ يراقبن من الشقوق كيف تتحول حياتهن إلى “أعمار مؤجلة”، ينتظرن معجزة أو موتاً يكسر طوق الخجل الذي ضربه والدهن حول البيت.
كان الصبي في لحظات صفائه، يلتصق بجدار المندرة، يغزل بأصابعه النحيلة خيط ضوء الشمس المتسلل، محاولاً التشبث بصلةٍ ما مع العالم، لكن يد أبيه كانت تزجره دائماً كأنه ذبابة سقطت في كوب كبريائه.
صفقة “الحصانة”
خرج رفعت قمر الدين من محبسه؛ لم تكن براءة، بل ثغرة في قانون البشر نفذ منها بعمامة خضراء. في ليلة اشتد فيها أنين الصبي، جلس رفعت أمام حامد، ونظر إليه بخبثٍ يتصاعد مع دخان الشيشة:
— “يا حاج حامد.. الله لا يضع أسراره في الأواني الفارغة. ابنك هذا خزانة مغلقة، والناس لا تقدس إلا ما تعجز عن فهمه. ملوحة أرضك التي تأكل فدادينك ليست لعنة، بل هي دموع الأرض لغربة (الوليّ) فيها.”
ابتسم حامد بمرارة وهو ينظر إلى كفوفه الخشنة: “اشترِ بدروشتك دماغ غيري.. نحن نعرف ما فيها”.
مال رفعت برأسه هامساً بالكلمة المفتاحية: “يا حاج.. فكر في (الحصانة). بالمنطق الذي تدير به صفقات القماش، ستصبح ملوحة طينك أغلى من مناجم الذهب؛ فمن يجرؤ على مراجعة حسابات وليّ؟ والحكومة لن تستطيع الاعتراض على (تسقيع) فدادين سُقيت ببركة المحجوب. الولد ليس عبئاً.. الولد صك ملكية عابر للقوانين”.
تأمل حامد فدادينه التي غطاها بياض الملح كأنه كفن لثروته. في تلك اللحظة، انكسرت المقاومة؛ لم يعد يرى في ابنه “عاهة”، بل رأى فيه “مشروعاً استثمارياً”. ولأول مرة، لم يزجر حامد ابنه حين اقترب منه، بل وضع يده على رأسه بجمود، لا حباً، بل كمن يبارك سبيكة ذهب خام بدأت تلمع في مخيلته.
في ركن المندرة، انبرى صابر عبد التواب كأنه ضميرٌ مباغت: “الولد ينطفئ يا حاج.. صراخه استغاثة رئتين تهرأتا من الرطوبة، والذهب الذي تستعدون لحصاده لن يستر عورة الجريمة”.
نظر إليه رفعت ببرود: “مشكلتك يا صابر أن عينك في الورق، وأعيننا في القلوب. أنت ترى جسد صبي يوجعك صراخه، ونحن نرى قطباً في حالة مناجاة لا يفك طلاسمها أمثالك”.
ذات صباح، انقطع الأنين للأبد. لم يكن الموت حدثاً طارئاً، بل كان “اكتمالاً للمشروع”. دخل رفعت الغرفة قبل أن يبرد جسد الصبي، ولم يقرأ الفاتحة، بل فتح النافذة المطلة على الميدان وصرخ بآهةٍ مدربة زلزلت الحي.
وقبل أن يرتفع النعش فوق الأكتاف، وقف صابر في قلب المندرة، يتطلع إلى جسد الصبي المسجى بذهول، ثم صرخ في وجه رفعت والتحلقات التي بدأت تهمهم بالذكر:
— “كُفّوا عن هذا العبث! الولد مات بالرطوبة والإهمال، مات وهو محروم من خيط الضوء الذي بخلتم عليه به في حياته، فلا تخنقوا موته بعطوركم الزائفة.”
اندفع صابر نحو حامد إبراهيم، يحاول هزّ كتفه لعلّ الأب يستفيق، لكن حامد كان قد غرق في “دور” الأب المكلوم بكرامة الأولياء. استدار صابر نحو رفعت الذي كان يشير للدراويش بالاقتراب، وزعق فيه:
— “أتصنعون صنماً من لحم طفلٍ عذّبتموه؟ الأرض التي تيبست تحت قدميه لن تلين بدموعكم المصطنعة، وهذا الضجيج ليس ذكراً، بل هو نباحٌ لتغطية صوت الجريمة.”
لم يرد رفعت بكلمة؛ بل اكتفى بهز رأسه بأسىً مفتعل، ناظراً للحشد كمن يشفق على جاهلٍ يُنكر النور. في تلك اللحظة، التفّ الدراويش حول صابر في حلقة ضيقة، تتمايل أجسادهم وتصطدم به كأنها أمواج عاتية، وبينما كان هو يصارع لتنقية هواء القرية من الروائح الزائفة، كانت يدٌ بارعة تتسلل الى منزله تضع تحت سريره “لفافة الافيون ”
خطفت الجموع النعش، وطافت به القرى كأنه شراع لغيبٍ مجهول. كانت الجنازة هي “حفل الافتتاح” الرسمي للأسطورة، بينما سُحب صابر خلف القضبان لسبع سنوات.. ريثما تنضج التجارة.
مضت السنون. صار “المحجوب” مزاراً تتقيأ مئذنته ضوء النيون الأخضر. تبدلت حياة الشقيقات؛ خلعن الكتان الخشن ليلبسن الحرير الذي عُمّد بدم أخيهن. كانت “سكينة” تمرر أصابعها على القماش الناعم وتشعر ببرودته كجلد الأفعى؛ لقد صرن ثريات، لكنهن بقين “محجوبات” خلف أسوار البركة؛ فالعالم الذي قدّس (الوليّ) لن يسمح لشقيقاته بأن يكنّ نساءً عاديات.. لقد حُكم عليهن بأن يكنّ راهبات في معبد الجريمة.
عاد صابر جسداً منحولاً، ليجد الأرض الملحية قد أنبتت وكالات ومطاعم فارهة. انشق باب سيارة فارهة عن حامد إبراهيم بسبحة عقيق ونظرة ترفّع، وأشار لحارسه الذي قدم لصابر رغيفاً ساخناً يقطر دهنه، ودس في طرفه قطعة ذهبية:
— “الحمد لله الذي ردك إلى حمانا.. استعن بالزاد من بركة الوليّ، فقد طوى (المحجوب) صفحة الماضي، ومسح اسمك من دفتر المغضوب عليهم.”
انطلق الموكب، وبقي صابر وحيداً ينهش الرغيف بضراوة أذلته. كان يمضغ خيبته مع اللحم المغموس بالدسم، يشعر أنه ينهش ذلك الضوء الذي انطفأ في عيني الصبي ليُضاء النيون فوق القبة. عندما شبع، سار نحو صندوق النذور وألقى القطعة الذهبية؛ غاصت بصمت وسط تلال الفضة دون رنين.
رفع صابر عينيه إلى القبة، وهمس والزفرات تختلط برائحة الدسم:
— “الله يرحمك يا خلف الله.. دفنوك حياً ليعمروا الأرض، ويطعموننا من قبرك كي نموت ونحن على قيد الحياة”.
استدار ومشى عكس الضجيج، وظله يمتد خلفه، يلتصق بباب المقام كأنه سادنٌ جديد انضم لسلالة الجريمة، التي طال عليها الأمد حتى استوت ديناً.