ذاكرةٌ تُراوغُ الفناء قصيدة لـ علي مقلد


خلاءٌ عظيمْ..
وموجُ المَناقعِ يغسلُ وجهَ المدى.
سكونٌ يمدُّ خُطاهُ..
يلاحقُ أطرافَ أقصى الفضا
ولا أحدٌ يسألُ الآنَ:
مَن صاغَ كُتلةَ هذا الطينْ؟
مصطبتنا..
كيفَ صارت جُميزةً بِكراً..
لم تَغرسْها كفُّ إِنسانْ؟
عاصرتْ وَجعَنا..
مَسحتْ عن جبينِ المقاتلِ رملَ الحروبِ.
رحلَ العابرونَ..
وهيَ ما تزالُ ترتلُ..
في الوجدانْ
همهماتِ السنينْ.
في رحابِها..
ذابَ الكلامُ بلفحِ الهجيرِ،
وعُمِّدَ بالذِّكرِ والتمتماتْ.
هُنا..
عَانقَ الشيخُ “قِسّاً”..
فصارَ الرغيفُ صلاةً..
تُباركُ طُهرَ المكانْ.
على مَدَاها..
انحنى العمرُ فوقَ مِغزلِ جدِّي.
كان الصبرُ خيطاً يلفُّ الأصابعَ..
والمصطبةُ.. تشربُ صمتَهُ.. وتشيخْ.
على جدرانِها..
قايضَ الأبُ “قطناً” ببعضِ الأماني،
بينما ابتعتُ للابنِ..
بريقاً غريباً..
قُماشاً “عرياً من الذاكرة”!
في جوارِها..
تعانقَ خصمانِ..
شابت “معاركُ تلكَ الحدودْ”.
حين استحى الفيضانُ من وجهَ الثرى،
انكسرَ الوجعُ.. ونبتت من حصاها الزغاريدْ.
اليومَ.. نلوذُ بها من أنيابِ الزمانْ،
والأولادُ يفتشون في حكايا الرمادِ..
عن مِسبحةٍ..
انفرطَ مَبدأُها.. وتَاهَ الانتهاءْ.
عجنها الدهرُ.. فاستوتْ هرماً عتيداً.
تغيّرتِ الوجوهُ..
وبقيتْ هيَ..
“تـبّةً فرعونيةً”..
تُراوغُ حِيَلَ الفَناء.
تحليل بلاغي للصور الشعرية والاستعارات في “ذاكرةٌ تُراوغُ الفناء”
القصيدة معتمدة على الاستعارة الممتدة والتشخيص والرمز أكتر من اعتمادها على المحسنات اللفظية. علي مقلد بيحوّل “المصطبة” لرمز كوني-تاريخي.1. الاستعارة المكنية والتشخيصالشاعر بيشخّص الجماد عشان يديه ذاكرة وحياة، وده العمود الفقري للقصيدة:”سكونٌ يمدُّ خُطاهُ.. يلاحقُ أطرافَ أقصى الفضا”استعارة مكنية: شبه السكون بإنسان بيمشي ويلاحق. الغرض: إحساس إن السكون ثقيل، بيغطي كل حاجة ومفيش مهرب منه.
“المصطبةُ.. تشربُ صمتَهُ.. وتشيخْ”تشخيص للمصطبة: بتشرب الصمت وتشيخ زي البشر. الغرض: دمج الإنسان بالمكان، كأن المصطبة عاشت عمر الجد نفسه. “حين استحى الفيضانُ من وجهَ الثرى”تشخيص للفيضان: بيدي له إحساس بالخجل. الغرض: تصوير لحظة تطهير ومصالحة بين الماء والأرض، كأن الأرض تستحق الاحترام.2. الاستعارة التصريحية والرمز”مصطبتنا.. كيفَ صارت جُميزةً بِكراً.. لم تَغرسْها كفُّ إِنسانْ”الجميزة استعارة تصريحية للذاكرة الأصيلة غير المصطنعة. “بكراً” توحي بالنقاء والأصلية.
الغرض: الذاكرة الحقيقية بتنبت من الأرض نفسها، مش من التزييف. “تغيّرتِ الوجوهُ.. وبقيتْ هيَ.. “تـبّةً فرعونيةً”.. تُراوغُ حِيَلَ الفَناء””تبّة فرعونية” استعارة تصريحية للمصطبة. شبهها بالتل الأثري الفرعوني عشان يديها قداسة وخلود.
الغرض: الربط بين الذاكرة الشعبية البسيطة والحضارة العظيمة. كلهم جزء من نفس التراب. “قُماشاً “عرياً من الذاكرة”!”استعارة ساخرة. شبه الموضة/الثقافة المستوردة بقماش عاري من الذاكرة.
الغرض: نقد القطيعة مع الجذر والانبهار بالشكل الفارغ.3. الكناية والمجاز المرسل”مَسحتْ عن جبينِ المقاتلِ رملَ الحروبِ”كناية عن مشاركة الجميزة في الألم الوطني. مش مجرد شجرة، دي شاهدة على الحروب. “فصارَ الرغيفُ صلاةً.. تُباركُ طُهرَ المكانْ”مجاز مرسل علاقته السببية. الرغيف اللي بيتقاسمه الشيخ والقس بقى صلاة. الغرض: قداسة الفعل الإنساني البسيط لما يكون فيه محبة. “عجنها الدهرُ.. فاستوتْ هرماً عتيداً”كناية عن طول الزمن وتأثيره. الدهر بيعجن المكان زي العجين لحد ما بقى أثر صلب زي الهرم.4. المفارقة والطباق”رحلَ العابرونَ..
وهيَ ما تزالُ ترتلُ”طباق بين “رحل” و”ما تزال”. المفارقة: الإنسان عابر، والمكان ثابت. “انكسرَ الوجعُ.. ونبتت من حصاها الزغاريدْ”طباق بين الكسر والفرح، وبين الحصى القاسي والزغرودة الرقيقة.
الغرض: الأمل بيتولد من قلب الألم. “انفرطَ مَبدأُها.. وتَاهَ الانتهاءْ”طباق وتشابك: المسبحة رمز للربط والاستمرار، لكنها انفرطت وضاع بدايتها ونهايتها. كناية عن ضياع الهوية.5. الصور الحسية والسمعيةالقصيدة مليانة صور بتلمس الحواس:بصرية: “موج المناقع”، “جميزة بكراً”، “تبّة فرعونية”، “زغاريد من الحصى”.سمعية: “ترتل في الوجدان همهمات السنين”، “التمات”،
“الزغاريد”.لمسية: “يلفح الهجير”، “الصبر خيطاً يلف الأصابع”.الغرض: يجذبك للتجربة كأنك واقف على المصطبة نفسها.6. البنية الإيقاعيةالقصيدة شعر تفعيلة، بس فيها إيقاع داخلي ناتج من:التكرار: تكرار “هنا”، “على مداها”، “في جوارها” بيخلق إحساس بالدوران حوالين المكان الثابت.
الجناس الناقص: “مبدأُها.. الانتهاءْ” فيه تقارب صوتي بيوحي بالدائرة المغلقة.الجمل القصيرة المنفصلة: “عجنها الدهرُ.. فاستوتْ هرماً عتيداً” بتدي إحساس بالحسم والخلود.الخلاصة البلاغيةعلي مقلد مش بيكتب عن مكان، هو بيكتب عن زمن متجسّد في مكان. كل الصور البلاغية بتخدم فكرة واحدة:
الذاكرة = مكان + زمن + إنسان. ولما تفقد واحد من التلاتة، يحصل “انفراط المسبحة”. أقوى أداته البلاغية كانت التشخيص: خلّى الجماد يتكلم، يصبر، يشيخ، يرتل. وبكده خلّى القارئ يحس إن النسيان جريمة في حق كائن حي، مش مجرد نسيان معلومة.