“أرقام مرعبة.. أين نقف عربياً وعالمياً في خريطة الانتحار؟”

“المنتَحِر ليس كافراً.. حوار حاسم مع هيئة كبار العلماء حول حكم الانتحار وأسبابه وسبل الوقاية”
الانتحار.. كلمةٌ ثقيلة على اللسان، ثقيلة على النفس، وثقيلة على المجتمع كله. هي جريمة في حق النفس، واعتداء على أمانةٍ استودعها الله الإنسان، فحرّمتها جميع الشرائع السماوية واعتبرتها من كبائر الذنوب.في الآونة الأخيرة، لاحظنا تصاعداً ملحوظاً في الحديث عن هذه الظاهرة، وباتت أخبارها تتصدر المشهد، مصحوبةً بجدل واسع حول حكم المنتحر، ومصيره، ومدى جواز الصلاة عليه والدعاء له. ومع انتشار الآراء وتضاربها، يصبح من الضروري العودة إلى أهل العلم الراسخين لضبط البوصلة وتصحيح المفاهيم.ومن هذا المنطلق، التقينا بفضيلة الأستاذ الدكتور فتحي الفقي، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنضع بين يدي القارئ الرؤية الشرعية الواضحة لحكم الانتحار، وأسبابه النفسية والاجتماعية، وسبل الوقاية منه في ضوء الكتاب والسنة، مع استعراض لأحدث الإحصائيات التي ترسم صورة الواقع في مصر والعالم العربي والعالم.فهذا الموضوع ليس ترفاً فكرياً، بل قضية حياة وموت، وحقٌ على المجتمع أن يفهمها بوعي، وأن يواجهها بعلم ورحمة.

* اجرى الحوار : حسين سالم *
وفى حوار مع فضيلة الأستاذ الدكتور فتحي الفقي
عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف – حول حكم المنتحر وأسبابه وسبل الوقايةس: فضيلة الدكتور.. أولاً نريد تعريفاً دينياً للمنتحر؟
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد ﷺ.

المنتحر هو من تسبّب عمداً في قتل نفسه، أي أنهى حياته بيديه عالماً مختاراً، مُهدراً بذلك حق الحياة الذي هو أقدس حقوق الإنسان على الإطلاق.س: إذن هناك دوافع تدفع الإنسان للانتحار؟
ج: نعم. الدوافع الأساسية غالباً ما تكون:اليأس والقنوط من رحمة الله، وهو مرض قلبي خطير.الاضطرابات النفسية كالاكتئاب الحاد، واضطرابات الشخصية، والفصام.الإدمان على المخدرات والكحول، الذي يضعف الإدراك ويزيد العزلة.
المشكلات المادية والاجتماعية والاقتصادية: ديون، بطالة، تفك أسري، طلاق، عنف منزلي.التنمر والضغوط النفسية في المدرسة أو العمل أو على وسائل التواصل.الشعور بالعزلة وفقدان الانتماء، خصوصاً لدى الشباب والمهاجرين واللاجئين. وتزداد الظاهرة في المجتمعات التي تعاني الفقر والتخلف وغياب خدمات الصحة النفسية. en.wikipedia.orgس: ما رأي أهل السنة والجماعة في المنتحر؟
= : الانتحار من أقبح الكبائر بعد الشرك بالله، لكن أهل السنة والجماعة لا يُكفّرون المنتحر إذا كان مسلماً موحداً يصلي ومعروفاً بإسلامه. لا يحل تكفير مسلم بذنب ارتكبه، فالحكم بالكفر ليس مشاعاً لكل أحد.
لذلك يجب رد الأمر إلى العلماء الراسخين، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾_، و_﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59].
: هل يُصلّى على المنتحر ويُدعى له؟
=: جمهور العلماء على أنه يُغسّل ويُكفّن ويُصلّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين، لأن الحكم عليه بالكفر لم يثبت. أما الدعاء له بالمغفرة والرحمة فجائز، والأمر كله إلى الله.الأسباب الإضافية للانتحار التي لم تُذكر
بناءً على دراسات منظمة الصحة العالمية ودراسة الاضطرابات النفسية المصاحبة لإدمان المواد: وفى دراسة مصرية حديثة وجدت أن 41.3% من مرضى إدمان المواد لديهم اكتئاب مستحدث بالمادة، و24.4% ذُهان، و84.4% يعانون مشاكل أسرية واجتماعية.العنف الأسري والاعتداء الجنسي والجسدي.الأمراض المزمنة والألم المزمن.الوصمة الاجتماعية حول المرض النفسي التي تمنع طلب المساعدة.التعرض لأزمات مفاجئة:
فقدان عزيز، إفلاس، طلاق، فشل دراسي. نسب الانتحار:
مقارنة بين مصر والعالم العربي والعالم
حسب بيانات منظمة الصحة العالمية ودراسة معهد القياسات الصحية منطقة معدل الوفيات بالانتحار لكل 100 ألف نسمة – ذكور 2021ملاحظةمصر24.2ارتفاع من 15.6 في 1990السعودية31.94تضاعف تقريباً منذ 1990المغرب37.05من أعلى المعدلات عربياً العراق37.29 الإمارات32.62 شمال أفريقيا والشرق الأوسط ككل30.36 للذكورالعالم9.2 عالمياً 2021727 ألف وفاة سنوي اًأمريكا الشمالية13.5 الأعلى بين أقاليم منظمة الصحة العالمية
الملاحظات: معدلات العالم العربي أعلى من المتوسط العالمي، لكنها أقل بكثير من دول شرق أوروبا وكوريا الجنوبية.الذكور ينتحرون بمعدل 3.7 أضعاف الإناث عالمياً، رغم أن محاولات الانتحار أكثر بين النساء.73% من حالات الانتحار تحدث في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
العلاج والوقاية
= العلاج جذري وشامل:الإيمان واليقين: تقوية الصلة بالله، فالإيمان أعظم حاجز نفسي ضد اليأس.الرعاية النفسية المبكرة: لا عيب في زيارة الطبيب النفسي. الاكتئاب مرض كالسكر والضغط.دور الأسرة: تنشئة الأبناء على الحوار والاحتواء وترسيخ المعتقدات الصحيحة.تقييد وسائل الانتحار: تقليل الوصول للمبيدات والأسلحة والأدوية الخطرة.الإعلام المسؤول: تجنب نشر تفاصيل طرق الانتحار، والتركيز على قصص النجاة والمساعدة.بناء المهارات الحياتية للمراهقين: التعامل مع الضغوط، حل المشكلات، طلب المساعدة.
وختم فضيلته بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ… وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]