من كييف إلى بحر المانش: أوروبا على حافة الشتاء النووي
خالد رويحة | 𝒦𝒽𝒶𝓁𝒾𝒹 𝑅𝑜𝓊𝒾𝒽𝒶
ثلاثة أيام هدنة فقط..
قالوا إن البنادق ستصمت قليلاً، وإن النار ستأخذ استراحة قصيرة، لكن الذي حدث أن الهدنة نفسها تحولت إلى ساحة اشتباك، وبعد انتهائها مباشرة أطلقت موسكو مئات المسيّرات والصواريخ دفعة واحدة، وكأن الروس أرادوا أن يقولوا لأوروبا: نحن لم نهدأ.. نحن فقط كنا نعيد ترتيب الجحيم.
شرق أوروبا اليوم يحترق ببطء مخيف.
كييف تستيقظ على أصوات الانفجارات، والمدن الأوكرانية تتحول إلى خرائط دخان، بينما موسكو تتحدث بثقة المنتصر الذي لم يعد يخشى أحداً.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خرج ليعلن أن صاروخ “سارمات” سيدخل الخدمة الكاملة، صاروخ يزن أكثر من 200 طن، ويقطع قرابة 18 ألف كيلومتر، قادر على حمل رؤوس نووية تكفي لمسح مدن كاملة من الخريطة خلال دقائق.
الرسالة الروسية لم تعد موجهة إلى أوكرانيا فقط، بل إلى لندن وباريس وبرلين وكل عاصمة تفكر بتحويل أوروبا إلى منصة مواجهة نووية على حدود روسيا.
وفي الخلفية، تتحرك الولايات المتحدة بطريقة تزيد المشهد تعقيداً.
واشنطن بدأت تسحب جزءاً من وجودها العسكري من أوروبا، تخفف انتشارها، وتعيد تموضع قواتها، وكأنها تقول للأوروبيين: المعركة القادمة تخصكم أنتم أكثر مما تخصنا.
وهنا بدأ القلق الحقيقي داخل القارة العجوز.
أوروبا التي بنت أمنها لعقود على المظلة الأمريكية، تجد نفسها اليوم أمام دب روسي أكثر شراسة، وأكثر استعداداً، وأكثر قناعة بأن هذه الحرب أصبحت معركة كسر عظم طويلة وليست مجرد نزاع حدودي.
وفي قلب هذا المشهد، يعود الغاز ليصبح أخطر من الصواريخ.
القارة الأوروبية التي أعلنت قبل سنوات تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، عادت تدريجياً لشراء كميات أكبر بعدما اكتشفت أن البدائل مكلفة، وأن الحروب في الشرق الأوسط تهدد خطوط الطاقة القادمة من الخليج، وأن الشتاء الأوروبي لا يرحم أحداً.
موسكو تدرك ذلك جيداً.
ولهذا تتعامل مع الطاقة كسلاح استراتيجي لا يقل خطورة عن الصواريخ النووية.
بوتين يعرف أن أوروبا تحتاج الغاز لكي تدفئ مدنها وتشغل مصانعها وتحافظ على اقتصادها، بينما أوروبا تعرف أن كل يورو تدفعه لروسيا يتحول لاحقاً إلى مسيّرة أو صاروخ يسقط فوق أوكرانيا.
إنها معادلة عبثية:
أوروبا تموّل الحرب التي تخشاها.
وفي البحر، تتحرك السفن والغواصات الروسية بالقرب من الممرات الأوروبية الحساسة، تعبر القنوات البحرية تحت أنظار الناتو، وكأن موسكو تختبر أعصاب الغرب وقدرته على الرد.
أما أوكرانيا، فهي تدرك أن الوقت لا يعمل لصالحها.
الرئيس فولوديمير زيلينسكي يحاول جرّ أوروبا إلى مواجهة أوسع، لأن سقوط كييف لن يكون مجرد هزيمة أوكرانية، بل زلزالاً سياسياً وأمنياً يهز القارة كلها.
لكن خلف الضجيج العسكري، هناك حقيقة أكبر تتشكل بهدوء:
العالم لم يعد أحادي القطب.
روسيا تراهن على استنزاف الغرب.
الصين تراقب وتستفيد وتتمدد اقتصادياً وسياسياً.
أمريكا تعيد ترتيب أولوياتها.
وأوروبا تبدو عالقة بين الخوف من روسيا والخوف من الانهيار الاقتصادي إذا استمرت الحرب سنوات إضافية.
أما المنطقة العربية، فهي تقف على حافة مرحلة جديدة بالكامل.
النفط والغاز والمضائق البحرية لم تعد مجرد ملفات اقتصادية، بل أصبحت قلب الصراع الدولي القادم.
وكلما اشتعلت أوكرانيا أكثر، ارتفعت قيمة الطاقة العربية أكثر، وازدادت أهمية الممرات البحرية من الخليج إلى البحر الأحمر والمتوسط.
العالم كله اليوم يتحرك فوق طبقات من النار:
روسيا تهدد، أوروبا ترتجف، أمريكا تناور، الصين تحسب الأرباح، والطاقة أصبحت سلاح القرن الجديد.
وفي النهاية، يبدو أن البشرية لم تتعلم شيئاً من الحروب السابقة.
فكل طرف ما زال يعتقد أن بإمكانه الاقتراب أكثر من حافة الهاوية دون أن يسقط فيها.
https://t.me/khaledrowiha