أصل ومهد ذكرى عيد العمال في مصر القديمة ” دراسة حالة بين موروثات ثقافية قديماً وحديثاً “
أصل ومهد ذكرى عيد العمال في مصر القديمة
” دراسة حالة بين موروثات ثقافية قديماً وحديثاً “
بقلم – د. أيمن وزيري
أستاذ الآثار ونائب رئيس اتحاد الأثريين المصريين
نحتفل بذكرى عيد العمال ولكن ماهي أصوله وأسباب نشأته ؟؟؟. ويتضح أن أصل ومهد إضراب العُمَّال في مصر القديمة يتضح من خلال أن تاريخ الأمم قاطبةً لا محالة وبلا أدنى شك لابد أن تكتنفه بعض الأحداث التي من المُمكن أن تُيرز معالم واحداث هذه الأمة أو تلك الأمم مما يُنذر بوجود بعض المظاهر الايجابية أو السلبية أحياناً ؛ مما يدل على أن الموروثات الثقافية تبدو دائماً مُستمرة الحراك والتفاعل والفاعلية .
وكانت الثورات والاضرابات أحد أهم الوسائل والمظاهر التي قد تُعبٍّر عن مفاهيم عدم الرضى بالواقع المُتاح وكان حريُ بأنه لابد من تغيير ذلك الواقع المؤلم أو على الأقل أن يتم لفت النظر إلى ذلك كالشرارة أو الوهج الذي ينتج عن ثورة البركان كاشارةٍ أوليةٍ عن مظاهر ثورة البركان إن لم يتم إخماده باحدى الوسائل أو السُبل التي تُطفىء ثورته أو تكبح جماح الاضرابات والثورات بوسيله تُرضي القائمين بها . والثورات أو الاضرابات وما يتعلق بها من مُصطلحات مثل ” تآمر ، مؤامرة ، تمرد ، اضراب ، انتفاضه أو مظاهرات أو قلاقل أو العصيان ” والتي كانت دائماً وغالباً كرد فعل لظلم أو فساد في أية مؤسسة سواء أكانت سياسية أو إقتصادية أو دينية أو إجتماعية . وفي مصر القديمة كان هناك ثورات إجتماعية وأيضاً إقتصادية ودينية وأخرى ثورات ضد الأجانب الغُزاة والمُحتلين.
وأهم ما يخص موضوعنا هذا هو التمرد والعصيان العمالي والشعبي في مصر القديمة وهو أحد المظاهر للثورات الاجتماعية والتضررات الاقتصادية وهو ما حدث تقريباً حوالي عام 2117 قبل الميلاد أي منذ حوالي 4133 سنه ، وهو الذي ذكرته بعض المصادر الأدبية القديمة مثل ” تحذيرات إيبوور” و ” احتجاجات أو شكاوى القروى الفصيح”، و”بردية هاريس” و” نبوءة نفرتي ” و” مرثيات اليائس من الحياة أو الذي يناجي نفسه “، وأيضاً “وصايا الملك خيتي لابنه مريكارع ” وذلك بالإضافة إلى بعض المصادر الأثرية مثل مقابر “مير” و ” دير الجبراوي ” و ” المعلا ” و ” بني حسن ” . وقد ورد من ذلك مثلاً : ” لم يعد الناس يحرثون حقولهم ، ولقد نهب الناس مخازن الحكومة واعتدوا على مقابر الملوك ، ولقد أطلق الشعب سهام غضبه على الأغنياء فنهبوا القصور وحرقوها ، ولقد ألقى الناس بأطفالهم فى الطريق، وأصبح رجال الأمن فى مقدمة الناهبين ” ، كما ورد ” انظروا حقاً إن الأغنياء ينتحبون والمعوزون في فرح وكل مدينة تقول: “دعونا نطرد الظالمين من دارنا” “.
ومن النماذج المهمة لاضرابات العُمَّال وثوراتهم ضد تضررهم ما حدث في العام التاسع والعشرين من عهد الملك رمسيس الثالث حوالي عام 1150 قبل الميلاد أي منذ 3166 سنه ، فقد ذكرت ” بردية هاريس” و” بردية تورين” ما حدث من اضرابات عُمَّال الجبانة الذين تأخرت حقوقهم من الحبوب عن موعدها عدة مرات ، وظل الاضراب مُستمراً لمدة ثلاثة أيام متتالية وبعد نفاذ صبرهم قاموا بمهاجمة مخازن الغلال الخاصة بمعبد الرمسيوم لنهبها وكانوا آنذاك يرددون مقولة ” نحن جوعى ” . ويبدو ذلك الأصل الأقدم لثورات وتمرد العُمَّال مُطالبين بحقوقهم .
وقد تم توارث ذلك المفهوم والفكر حديثاً إبان القرن التاسع عشر الميلادي من خلال قضية أثارت الرأي العام حينذاك وهي التي سُميت بـ ” قضية هايماركتHaymarket Affair ” ، فما هي تلك القضية ؟؟؟ . إن ترجع أحداث تلك القضية ترجع لأسباب حدوث مذبحةٍ أو مظاهرةٍ حدثت في يوم السبت الموافق الأول من مايو من عام 1886م ، واستمرت المذابح حتى يوم الثلاثاء الموافق الرابع من مايو من عام 1886م . وقد كان موقع ذلك في ميدان هايماركت في شيكاغو؛ حيث تجمع العُمَّال لإحداث إضراب عام عن العمل نتيجة تذمرهم واستياءهم من الضغوط المُلقَّاة على كاهلهم . وقد تم القاء قنبلة ديناميت لتفريق المتظاهرين ونتج عن ذلك مصرع البعض وتم محاكمة البعض بالاعدام كما انتحر البعض في السجن .
والمُلاحظ أيضاً أن ذلك حدث في شهر آيار وهو الشهر الخامس من الأشهر الميلادية حسب المُسميات السريانية للأشهر وهو يوافق شهر مايو في الأشهر الميلادية حسب التقاويم اليوليانية والجريجورية ويوافق شهر بشنس من الأشهر القبطية المصرية القديمة . وعلى غرار أن التاريخ يُعيد نفسه أو تتكرر أحداثه على نفس النهج فقد حدث في يوم الأربعاء الموافق الأول من مايو/ آيار من عام 2013م بعض التظاهرات والاضرابات التي خرجت من آسيا للتنديد بتفشي الفقر ولمعارضة سياسية التقشف المُلقاة على كاهل العُمَّال وحدهم – دون سواهم – وانتشر ذلك في اوروبا تضامناً مع العُمَّال غير المُستفيدين من مظاهر النمو الاقتصادي .
