دعونا من البكاء على اللبن المسكوب

بقلم : حسين سالم

منذ نهاية مباراة منتخب مصر أمام الأرجنتين، امتلأت الصحف وصفحات التواصل الاجتماعي بعناوين الغضب والاحتجاج على أداء الحكم الفرنسي، وتوالت التصريحات والتحليلات التي حمّلته مسؤولية خروج المنتخب من دور الـ16.
لكن، بعيدًا عن الانفعال، يبقى من الضروري أن يكون هناك صوت للعقل، وأن نتعامل مع ما حدث بمنطق النقد البناء لا بمنطق البحث عن شماعة نعلق عليها أسباب الخروج.
فهل كان الحكم وحده سبب إقصاء منتخب مصر؟
الإجابة، في تقديري، هي: لا.
لا أحد ينكر أن الحكم ارتكب أخطاء أثرت في سير المباراة، لكن اختزال أسباب الخسارة في التحكيم وحده يُعد ظلمًا للحقيقة، ويمنعنا من الاستفادة من الدروس الفنية التي كشفتها المواجهة.
فبعد الدقيقة التاسعة والسبعين، ارتكب الجهاز الفني بقيادة حسام حسن خطأً تكتيكيًا كان له تأثير مباشر على مجريات اللقاء. فمن غير المنطقي، وأنت متقدم بهدفين أمام بطل العالم، أن تستبدل لاعبًا في خط الوسط بلاعب ذي نزعة هجومية، فتفقد السيطرة على منطقة المناورات وتترك المساحات أمام لاعبين بحجم ليونيل ميسي ورفاقه.
هذا التغيير منح المنتخب الأرجنتيني أفضلية واضحة، وفتح خطوط المنتخب المصري، فاستغل المنافس الأمر بأفضل صورة ممكنة، ليقلب تأخره إلى فوز بثلاثة أهداف متتالية مقابل هدفين لمصر.
لقد كان التحكيم أحد العوامل، لكنه لم يكن العامل الوحيد، وربما لم يكن العامل الحاسم.
واليوم، وبعد أن أسدل الستار على مشاركة تاريخية لمنتخبنا، لم يعد من المجدي الاستغراق في البكاء على ما فات، بل يجب أن تتجه الأنظار إلى المستقبل، وإلى كيفية البناء على ما تحقق في هذا المونديال.
فالمنتخب المصري قدم بطولة تليق باسمه، وأثبت أنه قادر على منافسة كبار العالم، لكن الحفاظ على هذا المستوى يتطلب عملًا مؤسسيًا يبدأ من الداخل، وفي مقدمة ذلك تطوير مسابقة الدوري العام، ورفع مستوى المنافسة، وإعداد أجيال جديدة من اللاعبين القادرين على مواصلة مسيرة الإنجازات.
لقد بدأ حسام حسن وجهازه الفني مشروعًا يستحق التقييم الموضوعي، لا الهدم بسبب مباراة واحدة، فالتجارب الكبرى تُبنى على التراكم والاستفادة من الأخطاء، وليس على ردود الأفعال المؤقتة.
كلمة أخيرة
لقد انتهت بطولة كأس العالم، وحان الوقت لإغلاق هذه الصفحة بكل ما حملته من أفراح وآلام، وفتح صفحة جديدة عنوانها العمل من أجل مستقبل أفضل لكرة القدم المصرية.
كل التحية لمنتخب مصر، ولجهازه الفني، ولكل لاعب قاتل من أجل اسم الوطن، ولكل من ساهم، ولو بقطرة عرق، في هذا الإنجاز الذي سيظل محطة مضيئة في تاريخ الكرة المصرية.
مبروك لمصر… والقادم، بإذن الله، سيكون أفضل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى