ولاء ابوالعلا : السوشيال تهدد الإعلام

تشهد الساحة الإعلامية في السنوات الأخيرة تحولا كبيرا وخطيرا في طريقة وصول الخبر إلى الجمهور حيث لم تعد القنوات الفضائية والصحف الورقية والمواقع الإلكترونية المصدر الوحيد للمعلومة بل دخلت منصات التواصل الاجتماعي بقوة كبيرة وغير مسبوقة وأصبحت تنافس الإعلام التقليدي في كل شيء بدءا من السرعة ووصولا إلى التأثير على الرأي العام
هذا التنافس لم يكن متكافئا من البداية لأن السوشيال ميديا تعمل بلا قواعد واضحة ولا التزام مهني ولا رقابة حقيقية بينما تلتزم القنوات والصحف بميثاق شرف إعلامي وقوانين تحاسبها على كل كلمة تنشرها
الخطر الحقي في هذا المزاحمة يكمن في غياب الضوابط التي تحكم المحتوى المنتشر على المنصات فأي شخص أصبح قادرا على فتح بث مباشر أو كتابة منشور والحصول على ملايين المشاهدات خلال دقائق حتى لو كان الخبر كاذبا أو مضللا أو يثير الفتنة
القنوات الفضائية تجد نفسها اليوم مضطرة للجري وراء الترند الذي يصنعه المؤثرون على تيك توك وانستجرام وفيسبوك حتى تحافظ على وجودها أما الصحافة فتعاني من تراجع كبير في التوزيع والإعلانات لأن المعلن أصبح يفضل الصفحات التي تمتلك متابعين أكثر حتى لو كانت تفتقر إلى المصداقية
هذا الوضع خلق حالة من الفوضى الإعلامية جعلت الجمهور يتوه بين الحقيقة والشائعة وبين الخبر الموثق والرأي الشخصي وبين المعلومة التي خرجت من غرفة أخبار محترفة وبين الفيديو الذي صوره شخص عادي بهاتفه دون أي تدقيق
غياب الضوابط لا يهدد الإعلام فقط بل يهدد المجتمع كله لأن الشائعة التي تبدأ منشور مجهول يمكن أن تؤدي إلى أزمات اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية في ساعات قليلة بينما تحتاج القناة أو الجريدة لأيام حتى تصحح الخطأ وتعتذر للجمهور
المشكلة الأكبر أن المؤثرين لا يخضعون لنفس المعايير التي تخضع لها المؤسسات الإعلامية فلا يوجد ترخيص ولا ميثاق شرف ولا مجلس يحاسبهم وعندما يقع الضرر يختفي الحساب ويظهر حساب جديد بنفس السرعة
في المقابل نجد أن القنوات والصحف تدفع ضرائب وتوظف صحفيين وتتحمل مسؤولية قانونية عن كل ما تنشره وهذا يجعلها أبطأ وأكثر التزاما لكنه أيضا يجعلها تخسر في سباق السرعة أمام السوشيال
الحل لا يكمن في إلغاء دور السوشيال ميديا لأنها أصبحت واقعا لا يمكن تجاهله ولكن الحل في وضع قوانين واضحة تنظم النشر وتحاسب على نشر الأخبار الكاذبة وتفرض شفافية على المنصات فيما يتعلق بمصادر التمويل والخوارزميات التي تروج للمحتوى
كما يجب على الإعلام التقليدي أن يعيد تعريف نفسه ويستفيد من أدوات السوشيال بدلا من محاربتها وأن يقدم محتوى مهني موثوق يجعل الجمهور يعود إليه بحثا عن الحقيقة لا عن الإثارة فقط
في النهاية تبقى مسؤولية الجمهور هي الأهم في هذه المعادلة فالمتلقي الواعي هو الذي يستطيع أن يفرق بين الإعلام المهني وبين الضجيج الرقمي وهو الذي يقرر من يستحق الثقة ومن لا يستحقها
إذا استمر الوضع على ما هو عليه بدون ضوابط واضحة فإننا مقبلون على مرحلة يصبح فيها من يملك أكبر عدد من المتابعين هو من يملك الحقيقة حتى لو كانت مزيفة