نفّذ ترامب تهديداته… هل دخل الشرق الأوسط مرحلة العدّ التنازلي للمواجهة الكبرى؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لم تعد التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد رسائل سياسية أو حربًا نفسية، بل تحولت إلى مواجهة عسكرية مباشرة تحمل في طياتها مؤشرات على انتقال المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة. فما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تركيا لم يبقَ في إطار التصريحات، إذ سرعان ما تُرجم إلى ضربات عسكرية استهدفت مواقع داخل إيران، في خطوة أكدت أن واشنطن انتقلت من سياسة التحذير إلى سياسة الفعل، بينما ردّت طهران باستهداف ناقلات وسفن تجارية في محيط مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.
لكن ما يجري يتجاوز مجرد تبادل للضربات. فواشنطن تسعى إلى فرض معادلة جديدة تمنع إيران من استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، وتؤكد أنها لن تسمح بتهديد الملاحة الدولية أو المصالح الأميركية. وفي المقابل، تريد طهران إثبات أنها ما زالت قادرة على التأثير في أمن الخليج وأسواق الطاقة، وأن أي محاولة لمحاصرتها أو فرض شروط عليها ستكون مكلفة للجميع.
السؤال اليوم لم يعد هل ستقع المواجهة؟ بل أصبح إلى أي مدى يمكن أن تتوسع؟ فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب شاملة مع إيران لن تكون عملية عسكرية خاطفة، بل مواجهة تمتد تداعياتها إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن، مع ما يرافق ذلك من تهديد لأمن الطاقة العالمي وارتفاع حاد في أسعار النفط. وفي المقابل، تدرك إيران أن المواجهة المباشرة تحمل مخاطر كبيرة على اقتصادها وبنيتها العسكرية، لكنها تراهن على أوراقها الإقليمية وقدرتها على استنزاف خصومها عبر أكثر من ساحة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالمنطقة تقف اليوم أمام معادلة دقيقة: لا أحد يريد الحرب، لكن الجميع يستعد لها. وهذه هي المرحلة الأكثر خطورة في العلاقات الدولية، لأن أي خطأ في الحسابات، أو حادث ميداني غير محسوب، قد يحول سياسة الردع إلى حرب إقليمية واسعة يصعب احتواؤها.
ورغم هذا التصعيد، لا يزال احتمال أن يكون جزء من هذه المواجهة يهدف إلى إعادة رسم موازين القوى وتحسين شروط التفاوض قائمًا. فقد اعتادت واشنطن وطهران انتهاج سياسة «حافة الهاوية»، حيث يُرفع منسوب التهديد إلى أقصى حد قبل العودة إلى طاولة المفاوضات عندما تصبح كلفة الحرب أعلى من مكاسبها.
إلا أن الظروف الحالية تبدو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فالبرنامج النووي الإيراني، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، والوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وتشابك ملفات لبنان وسوريا والعراق واليمن، كلها عوامل تجعل أي شرارة قابلة للتحول إلى حريق إقليمي واسع.
أما لبنان، فيبقى الحلقة الأكثر هشاشة. فأي تصعيد بين واشنطن وطهران ينعكس مباشرة على أمنه واستقراره واقتصاده، ما يجعل تحييده عن صراعات المحاور ضرورة وطنية ملحة، لأن كلفة أي انزلاق جديد ستكون باهظة على بلد لا يزال يعاني أزمة مالية ومؤسساتية غير مسبوقة.
ويبقى السؤال، هل نحن أمام الفصل الأخير قبل المواجهة الكبرى، أم أن ما يجري هو تصعيد محسوب لفرض وقائع جديدة وإعادة رسم موازين القوى على طاولة المفاوضات؟
الأيام المقبلة ستكون حاسمة، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط دخل مرحلة شديدة الحساسية، حيث أصبحت المسافة بين السياسة والحرب أقصر من أي وقت مضى، وأي قرار أو خطأ في التقدير قد يحدد مستقبل المنطقة لسنوات طويلة قادمة…