د. محمد كشك : السفير ضياء حماد .. رجل الدبلوماسية الذي يغوص في أعماق الملفات، لكنه لا يبحث عن اللؤلؤ المادي… بل عن الإنسان، والحل، والفرصة، والمصري الذي يحتاج إلى من يقف بجانبه.

هناك رجال تمر بهم في حياتك، فتتذكر مناصبهم، وهناك رجال تتذكرهم قبل أن تتذكر مناصبهم.

والسفير ضياء حماد من النوع الثاني.

فمن يعرفه عن قرب، أو تعامل معه في إحدى محطات عمله الدبلوماسي، يدرك أن وراء البدلة الرسمية واللقب الدبلوماسي إنسانًا يملك شيئًا أهم من كل الألقاب: القدرة على أن يسمع الناس، وأن يشعر بهم، وأن يجعل من موقعه وسيلة لخدمتهم لا حاجزًا بينهم وبينه.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يحظى بتقدير أبناء الجالية المصرية في المملكة العربية السعودية خلال عمله نائبًا للسفير المصري هناك؛ فقد عرفوه قريبًا منهم، حاضرًا في مشكلاتهم، حريصًا على مصالحهم، ومؤمنًا بأن المصري في الخارج ليس مجرد اسم في سجل أو رقم في إحصاء، وإنما إنسان يحمل وطنًا في قلبه ويحتاج إلى أن يشعر بأن وطنه يقف إلى جواره.

ومن هنا يأتي لقب «صائد اللؤلؤ».

فاللؤلؤ لا يوجد على سطح البحر، وإنما يحتاج إلى غواص يعرف كيف ينزل إلى الأعماق، وكيف يبحث بصبر، وكيف يعود بما لا يراه الآخرون.

وهكذا كانت رحلة ضياء حماد في العمل الدبلوماسي.

لم يكتفِ بأن يرى الصورة من بعيد، وإنما اقترب من تفاصيلها. لم ينتظر دائمًا أن تأتي المشكلات إليه، بل كان يؤمن بأن المسؤول الحقيقي هو الذي يذهب إلى الناس، يسمعهم، يفهم ما وراء الكلمات، ثم يبحث عن الحل.

وفي العمل الدبلوماسي، ربما تكون هذه هي القيمة الحقيقية لأي سفير: أن يمثل دولته، نعم، لكن قبل ذلك أن يجعل المواطن يشعر بأن دولته حاضرة معه.

ومن الرياض إلى القاهرة، انتقلت التجربة إلى مساحة جديدة ومسؤولية أكبر.

فمع توليه منصب نائب مساعد وزير الخارجية للشئون البرلمانية والمصريين بالخارج، أصبح أمامه ملف شديد الأهمية؛ ملف لا يتعلق فقط بالعلاقات بين المؤسسات، وإنما يمتد إلى علاقة الدولة بمواطنيها، وإلى الدور الذي يمكن أن تقوم به الدبلوماسية البرلمانية في خدمة المصالح المصرية.

وهنا تتضح قيمة الخبرة التي اكتسبها في الخارج.

فمن عاش بين المصريين في الغربة، واستمع إلى مشاكلهم وطموحاتهم، يعرف جيدًا أن ملف المصريين بالخارج لا يمكن التعامل معه من خلف المكاتب فقط.

إنه ملف إنساني قبل أن يكون إداريًا.

المصري الذي يعمل بعيدًا عن وطنه يحتاج إلى من يسمعه عندما يواجه مشكلة، وإلى من يشرح له حقوقه، وإلى من يشعره بأن المسافة بينه وبين مصر لا تعني أنه أصبح بعيدًا عن اهتمامها.

وهذه المسافة تحديدًا هي التي يستطيع الدبلوماسي الحقيقي أن يختصرها.

والسفير ضياء حماد، في تقديري، يملك هذه القدرة.

ليس لأنه دبلوماسي محترف فحسب، وإنما لأنه يحمل واحدة من أهم صفات العمل الدبلوماسي: الإنسانية.

فالناس لا تتذكر المسؤول فقط بما قاله في الاجتماعات، وإنما بما فعله عندما احتاجوا إليه.

ولا تتذكره بعد سنوات بسبب منصبه، وإنما بسبب موقف صغير ربما لم يره أحد، لكنه ترك أثرًا كبيرًا في نفس صاحبه.

وهنا تكمن قيمة الرجل.

أن تترك أثرًا طيبًا في المكان الذي تعمل فيه، وأن يغادر اسمك المكان بعد انتهاء مهمتك، بينما تبقى سيرتك بين الناس.

وهذا ما يجعل تجربة ضياء حماد جديرة بالكتابة.

فالدبلوماسية ليست بروتوكولًا فقط، وليست اجتماعات وبيانات ومصافحات أمام الكاميرات.

الدبلوماسية في جوهرها فن التعامل مع الإنسان.

والدبلوماسي الناجح هو الذي يستطيع أن يجمع بين هيبة الدولة ودفء الإنسان، بين صرامة المسؤولية ورحابة الصدر، وبين الدفاع عن مصالح الوطن والإنصات إلى المواطن.

ولذلك فإن لقب «صائد اللؤلؤ» لا أراه مجرد عنوان جميل لمقال، وإنما أراه تعبيرًا عن فلسفة كاملة.

ففي أعماق كل مجتمع هناك لآلئ لا يراها الجميع: إنسان مخلص، موهبة حقيقية، قصة نجاح، مواطن يحتاج إلى من يسمعه، وشاب يبحث عن فرصة، وأسرة تنتظر حلًا لمشكلة.

والدبلوماسي الذي يستطيع أن يصل إلى هذه الأعماق، هو الذي يستطيع أن يصنع فرقًا حقيقيًا.

أما ضياء حماد، فمسيرته تقول إن الرجل لم يتعامل مع العمل الدبلوماسي باعتباره وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات العمل، وإنما باعتباره مسؤولية تجاه الوطن والمواطن.

واليوم، وهو ينتقل إلى مسؤولية جديدة في وزارة الخارجية، فإن الرهان ليس على لقب جديد أو مكتب جديد، وإنما على خبرة رجل عرف المصريين في الخارج عن قرب، وعرف أن وراء كل ملف قصة إنسان، ووراء كل رقم مواطنًا، ووراء كل مشكلة أسرة تنتظر أن تجد من يسمعها.

وأنا، كصديق، لا أكتب عن منصب السفير ضياء حماد بقدر ما أكتب عن الإنسان الذي عرفته خلف المنصب.

فالصداقات الحقيقية لا تصنعها المناصب، ولا تحتاج إلى شهادة من أحد.

يكفي أن تعرف الرجل في مواقفه.

وفي زمن أصبحت فيه المناصب كثيرة، والمسؤوليات أكبر، تظل القيمة الحقيقية في الرجال الذين يجعلون من مواقعهم بابًا لخدمة الناس.

هؤلاء هم اللؤلؤ الحقيقي.

وهؤلاء هم الذين يستحقون أن نبحث عنهم، وأن نكتب عنهم، وأن نقول لهم في الوقت المناسب:

شكرًا لأنكم جعلتم الدبلوماسية أقرب إلى الإنسان.

فيا صديقي السفير ضياء حماد…

قد تتغير المناصب، وتتبدل المكاتب، وتختلف الملفات، لكن يبقى الشيء الأهم:

أن يظل الإنسان الذي فيك حاضرًا في الدبلوماسي الذي تمثله.

وهذا، في النهاية، هو اللؤلؤ الذي لا يصدأ.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى