د. حمداوي بكري أبوحبيب يكتب: ​تأملات مضيئة عن الأمن الغذائي في مصر

​يُعد الأمن الغذائي أحد أهم التحديات الاستراتيجية التي تواجه دول العالم في الوقت الراهن ومن بينها مصر، نظراً لارتباط الأمن الغذائي المباشر باستقرار الشعوب، ولا يقتصر مفهوم الأمن الغذائي على توفر السلع الغذائية فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً أخرى تضمن توفير حياة كريمة ومستدامة للأفراد.

ويستند الأمن الغذائي، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، إلى أربعة ركائز أساسية هي: توفير السلع بجودة وكميات كافية وبصورة مستمرة؛ سواء من الإنتاج المحلي أو الاستيراد من الخارج، وكذلك قدرة هؤلاء الأفراد في الحصول على غذاء كاف وملائم ومناسب للقدرة الشرائية لهم، فضلاً عن الاستفادة البيولوجية المثلى من الغذاء من خلال اتباع نظام غذائي صحي يوفر لهم الرعاية الصحية الكافية، وأخيراً استقرار وضمان عدم تأثر الركائز الثلاث السابقة بأي صدمات مفاجئة، سواء كانت اقتصادية (كارتفاع الأسعار)، أو بيئية (كالتغيرات المناخية)، أو سياسية كالنزاعات الجيوسياسية.

​ويعد قطاع الزراعة في مصر من أهم الركائز الأساسية في الاقتصاد المصري، حيث يساهم بحوالى (15%) في الناتج المحلي الإجمالي، كما بلغ تخطى عدد العاملين بقطاع الزراعة (5) مليون عامل مثلوا ما يقرب من (25%) من اجمالى القوة العاملة في الدولة، ويعتمد نجاح النشاط الزراعي على الاستثمار الزراعي وتطوير وتنمية مشروعات الري لاستصلاح المزيد من الأراضي وتوفير البنية التحتية الأساسية من طرق وجسور ووسائل نقل وشبكات ري وصرف وغيرها، وهذا ما تقوم به الدولة منذ عام 2014م.

​وقد يعاني قطاع الأمن الغذائي من نقص نسبي من مجموعة المحاصيل منها محاصيل الحبوب مثل القمح والذرة بشقيها والمحاصيل الزيتية مثل فول الصويا نظراً لتزاحم تلك المحاصيل في الدورة ​الزراعية مع محاصيل نقدية تحقق ربحاً للمزارعين.
وتستورد مصر- من القمح نحو (12.5) مليون طن بقيمة (4.4) مليار دولار خلال عام 2025م، بانخفاض مليون طن قمح بقيمة (675) مليون دولار عن عام 2024م.
وجمعت كمية واردات مصر من الذرة الصفراء والبيضاء، نحو (10) مليون طن بقيمة (2.9) مليار دولار خلال عام 2025م، في حين بلغت واردات مصر – من فول الصويا نحو (4.5) مليون طن بقيمة (2.7) مليار دولار، تصدر مصر منها ما يقرب (265) مليون دولار زيت فول الصويا تمثل حوالي (10%) من قيمة واردات مصر – من فول الصويا نظراً لتطور التصنيع المحلي لصناعة الزيت والمكرر من فول الصويا، فضلاً عن صناعة الكسب والأغلاف المركزة اللازمة للثروة الحيوانية
حين بلغت واردات مصر من زيت الشمَس نحو (157) ألف طن بقيمة (350) مليون دولار عن عام 2025م.
أما بالنسبة للحوم الحمراء فقد بلغت قيمة وارداتنا منها نحو (900) مليون دولار، (420) مليون دولار حيوانات حية، منها (260) ألف رأس من الأبقار.

وفيما يخص واردات مصر – من الأسماك بلغت نحو (184) ألف طن بقيمة (765) مليون دولار،
ومن الملاحظ أن فاتورة واردات الغذاء تقدر بحوالي (12.4) مليار دولار إلا أن الجوانب المضيئة في قضية الأمن الغذائي أن مصر- تصدر أكثر من (400) سلعة زراعية وغذائية بكمية بلغت نحو (9.5) مليون طن وبقيمة بلغت حوالي (11.5) مليار دولار عام 2025م. كما نلاحظ أن كمية الواردات قدرت بنحو (27) مليون طن وكمية الصادرات قدرت بنحو (9.5) مليون طن. كما يلاحظ أيضاً أن الصادرات الزراعية تمثل حوالي (25%) من إجمالي الصادرات المصرية غير النفطية خلال عام 2025م. وهذا يعكس الأهمية الاقتصادية لقطاع الزراعة. – ويعكس هذا التوازن الميزان التجاري الزراعي والغذائي في مصر- من حالة شبه التوازن – متوقفاً على الأسعار العالمية للغذاء – ويعكس هذا التوازن المجهودات التي قامت بها الدولة المصرية بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي في التوسع الأفقي للرقعة الزراعية في كل من (الدلتا الجديدة، وتوشكي، وشرق العوينات، والفرافرة، ومنطقة غرب المنيا، وسيناء)، وغيرها من المناطق على مستوى الجمهورية، حيث تزداد المساحة المستصلحة بحوالي (175) ألف فدان سنويا خلال الفترة (2014-2025).

​وعلى الرغم من النجاحات في سد الفجوة الغذائية والسعي الحثيث للدولة في تحقيق فائض في الميزان التجاري الزراعي والغذائي في السنوات القادمة الا أن تحقيق الأمن الغذائي يمر بتحديات نتيجة الضغوط المتزايدة على الأمن الغذائي العالمي أهمها:

تغير الأنماط الزراعية نتيجة التغيرات المناخية وما يصاحبها من ظواهر طقس غير مستقرة، كما يمثل النمو السكاني المتسارع ضغطاً هائلاً على الموارد الطبيعية المتاحة كالماء والأراضي الزراعية.

كما تؤدي النزاعات والأزمات الجيوسياسية في المنطقة
​والعالم الى تعطل سلاسل الإمداد وتتسبب في ارتفاع حاد لأسعار الغذاء.

وأخيرا يؤدي فقد وهدر الطعام بكميات ضخمة بين مراحل الإنتاج والاستهلاك والتي تصل في المتوسط الى (20%) لمعظم المحاصيل والسلع الغذائية وفقا لنتائج الأبحاث في هذا الشأن.

​كما تعد إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من القمح في مصر- قضية معقدة تحكمها اعتبارات وفرة الأراضي الزراعية والموارد المائية والعوامل الاقتصادية، نظراً لأن مصر تعد واحدة من أكبر مستوردي القمح في العالم مقارنة بحجم استهلاكها الضخم (المرتبط بعدد السكان الذي يتجاوز (110) ملايين نسمة. وعلى الرغم من صعوبة الوصول إلى اكتفاء ذاتي بنسبة (100%)،

إلا أن الدولة تتبنى استراتيجية طموحة لتحقيق “اكتفاء ذاتي جزئي مستهدف” عبر مسارين رئيسيين المسار الأول تحقيق اكتفاء ذاتي (100%) من القمح المخصص للخبز المدعم.

أما المسار الثاني فيتمثل في الوصول الى نسبة اكتفاء ذاتي بنسبة (70%) من اجمالي استهلاك القمح بحلول عام 2030م. ولتحقيق هذين المسارين لا بد من توفير عوامل داعمة مثل الاستمرار في التوسع الأفقي واستصلاح الأراضي، ورفع إنتاجية الفدان من خلال زراعة أصناف عالية الإنتاجية ومقاومة للملوحة والتغيرات المناخية وكذلك تبني ممارسات زراعية تحقق ذلك، بالإضافة الى استخدام وسائل الري الحديثة لرفع كفاءة مياه الري، وأخيرا العمل على تحفيز المزارعين من خلال سياسة تطبيق أسعار الضمان او الزراعة التعاقدية بأسعار عادلة تعكس الأسعار العالمية.

​ولمواجهة هذه التحديات لا بد من تضافر الجهود والتي ترتكز على: تعزيز سلاسل الإمداد من حيث تنويع مصادر الاستيراد الغذائي وبناء مخزونات استراتيجية من السلع الغذائية بشكل كاف، وكذلك تبني تقنيات الزراعة الذكية مناخياً والري الحديث لرفع كفاءة الإنتاج. فضلاً عن حماية الموارد الطبيعية والاستخدام المستدام لها، وتقليل الهدر الغذائي عبر رفع ثقافة المجتمع في الاستهلاك الغذائي من خلال وسائل الاعلام لتحقيق الاستهلاك الرشيد.

ومن أهم الركائز التي ينبغي أن تتبناها الدولة المصرية تعزيز سلاسل القيمة للصادرات لتحقيق فائض في الميزان التجاري الزراعي والغذائي، حيث يتم تصدير معظم الصادرات الزراعية في الصورة الطازجة، وبالتالي التصدير في صورة مصنعة أو نصف مصنعة بما يؤدي الى تعزيز سلاسل القيمة للصادرات.

ولتقليل الفجوة الغذائية من القمح ضرورة تبني مجموعة من الخيارات مثل تغيير النمط الغذائي واضافة مدخلات مع دقيق القمح مثل الذرة والبطاطا والكسافا بنسب مقبول للتذوق العام فضلا عن تبني نمط استهلاكي يعتمد على إدخال نظم غذائية تحتوي على البطاطس والبطاطا، مع وتقليل الفقد والهدر في الغذاء وضبط التسارع في النمو السكاني.”

الكاتب- حمداوي بكري أبوحبيب
أستاذ الاقتصاد الزراعي – عميد سابق لكلية الزراعة جامعة الأزهر بالقاهرة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى