*معظم النصائح التي غيّرت حياتك.. ربما كانت خاطئة*

بقلم : د. مها بسطاوى

نعيش في زمن لم يعد فيه نقص في المعلومات أو النصائح. يكفي أن تفتح هاتفك لدقائق حتى تجد عشرات الأشخاص يخبرونك كيف تنجح، وكيف تصبح ثريًا، وكيف تبني شخصيتك، وكيف تحقق السعادة. المشكلة أن كثيرًا من هذه النصائح لا تنتشر لأنها صحيحة، بل لأنها جميلة وسهلة الحفظ. فالناس تميل إلى الجمل القصيرة الحاسمة التي تمنحها شعورًا باليقين، حتى لو كانت الحياة أعقد بكثير من أن تختزل في عبارة من ثلاث كلمات. ولهذا تحولت بعض النصائح مع مرور الوقت إلى مسلّمات لا يجرؤ أحد على مناقشتها، رغم أن التجربة والواقع يثبتان أن بعضها قد يكون مضللًا أكثر مما هو مفيد.
ومن أشهر هذه النصائح هي عبارة “اتبع شغفك”. تبدو هذه العبارة ملهمة جدًا، حتى إن كثيرين يتعاملون معها وكأنها قانون من قوانين النجاح. لكن المشكلة تبدأ عندما نسأل سؤالًا بسيطًا: *ماذا لو لم يكتشف الإنسان شغفه أصلًا؟ ماذا لو كان شغفه شيئًا لا يمكن أن يتحول إلى مهنة أو مصدر دخل؟* الحقيقة أن عددًا كبيرًا من الناجحين لم يبدأوا حياتهم وهم يعرفون شغفهم بدقة، بل بدأوا في مجالات متاحة لهم، ثم اكتسبوا الخبرة، وبعد سنوات أصبحوا يحبون ما يفعلونه. وهنا ينقلب التصور الشائع رأسًا على عقب، فربما لم يكن الشغف هو الذي قادهم إلى النجاح، بل كان النجاح والإتقان هما اللذان ولّدا الشغف لاحقًا.
ومن النصائح التي لا تقل شهرة عبارة: “افعل ما تحب ولن تعمل يومًا واحدًا في حياتك”. هذه العبارة تبدو رومانسية لكنها بعيدة عن الواقع. فكل عمل في الدنيا، مهما كان محبوبًا، يحتوي على جوانب مرهقة ومملة وصعبة. الكاتب الذي يعشق الكتابة يمر بأيام يعجز فيها عن كتابة سطر واحد، والطبيب الذي يحب مهنته يواجه ضغوطًا جمة، ورائد الأعمال يعيش فترات من القلق والخسائر والأزمات.
فتذكر أن الحب لا يلغي المشقة، بل يجعلها أكثر احتمالًا فقط. ولذلك يقول الله تعالى: **﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾**، أي في معاناة وسعي وتعب. فالجهد ليس خطأ في النظام، بل جزء من طبيعة الحياة نفسها.
ومن أكثر الأفكار انتشارًا في السنوات الأخيرة الدعوة إلى الإيجابية المطلقة. أصبح الإنسان يُطالَب أحيانًا بأن يفكر بإيجابية في كل الظروف، وكأن الاعتراف بالمشكلات نوع من التشاؤم. لكن الواقع يقول إن تجاهل الخطر لا يلغيه. بل إن كثيرًا من الكوارث الشخصية والمهنية وقعت لأن أصحابها رفضوا رؤية الحقائق المزعجة. التفاؤل مطلوب بلا شك، لكنه لا يغني عن التخطيط ولا عن دراسة المخاطر. ولهذا جاء التوجيه النبوي الشهير: *”اعقلها وتوكل”*، أي خذ بالأسباب أولًا ثم توكل على الله. أما التفاؤل الذي يطلب من الإنسان إغلاق عينيه عن الواقع فليس حكمة، بل قد يكون طريقًا إلى الفشل.
كذلك كثيرًا ما نسمع نصيحة تقول: *”لا تهتم لكلام الناس”.* ورغم ما فيها من جانب صحيح، فإنها تصبح خطيرة عندما تؤخذ على إطلاقها. فالإنسان الذي يتجاهل جميع الآراء والملاحظات قد يحرم نفسه من فرص التطور والتعلم. ليس كل نقد هجومًا، وليس كل ملاحظة محاولة لإحباطك. بعض الأشخاص يرون عيوبنا بوضوح أكبر مما نراها نحن. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي”. الحكمة ليست في تجاهل الناس بالكامل، ولا في العيش أسيرًا لآرائهم، وإنما في معرفة أي الآراء يستحق الاستماع وأيها يستحق التجاهل.
ومن العبارات التي تبدو جذابة أيضًا: *”كن نفسك”.* للوهلة الأولى تبدو النصيحة منطقية، لكن *ماذا لو كانت هذه النفس مليئة بعادات سيئة تحتاج إلى تغيير؟ ماذا لو كان الإنسان كسولًا أو سريع الغضب أو ضعيف الإرادة؟ هل المطلوب أن يظل كما هو؟* الحقيقة أن كل تطور حقيقي في حياة البشر بدأ من رفض الاكتفاء بما هم عليه. ولذلك يقول الله تعالى: *﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾*. فالتغيير ليس خيانة للذات كما يصوره البعض، بل قد يكون أفضل خدمة يقدمها الإنسان لنفسه.
ومن النصائح التي تحتاج إلى مراجعة أيضًا فكرة أن *”القراءة وحدها تصنع النجاح”.* لا شك أن القراءة من أعظم وسائل المعرفة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى بديل عن الفعل. هناك أشخاص قرأوا مئات الكتب في الإدارة والاستثمار والتنمية البشرية، ومع ذلك لم يطبقوا فكرة واحدة منها. بمرور الوقت أصبحت القراءة عندهم نوعًا من الإنجاز الوهمي؛ فهم يشعرون بالتقدم لأنهم يستهلكون المعرفة باستمرار، بينما لا يتغير شيء في الواقع. ولهذا لم يربط القرآن بين الإيمان والعلم فقط، بل ربطهما دائمًا بالعمل. فالمعرفة التي لا تتحول إلى ممارسة تبقى حبيسة العقول مهما كان حجمها.
ونصل إلى إحدى أكثر العبارات تكرارًا في عالم النجاح، وهي: ” *اعمل بذكاء لا بجهد* “. وكأن الجهد أصبح شيئًا قديمًا أو غير ضروري. والحقيقة أن العمل الذكي مهم جدًا، لكنه لا يولد من فراغ. فالشخص الذي نراه اليوم يعمل بذكاء غالبًا ما قضى سنوات يتعلم ويخطئ ويجرب حتى وصل إلى تلك المرحلة. لا يوجد نجاح حقيقي بلا جهد، تمامًا كما لا يكفي الجهد وحده من دون تفكير. والمشكلة أن مواقع التواصل الاجتماعي تعرض النتائج النهائية فقط، فتجعل الطريق يبدو أسهل بكثير مما هو عليه في الواقع.
كذلك يردد البعض أن الفرصة لا تأتي إلا مرة واحدة. هذه العبارة قد تصلح للسينما أكثر مما تصلح للحياة. فالتاريخ الشخصي لمعظم الناجحين مليء بالفرص الضائعة والمحاولات الفاشلة والبدايات الجديدة. صحيح أن بعض الفرص لا تتكرر، لكن الحياة نفسها لا تتوقف عند فرصة واحدة. المشكلة ليست في ضياع الفرصة، بل في اقتناع الإنسان بأنه انتهى بمجرد ضياعها. هذا الاعتقاد هو ما يحول العثرة المؤقتة إلى هزيمة دائمة.
في النهاية، ربما تكون المشكلة الكبرى في عصرنا أننا نبحث عن الإجابات السهلة للأسئلة الصعبة. نريد جملة قصيرة تختصر لنا سنوات من الخبرة، ونريد حكمة سريعة تحل مشكلات معقدة، ونريد وصفة جاهزة للنجاح تصلح لكل الناس. لكن الواقع لا يعمل بهذه الطريقة. فالحياة أكثر تعقيدًا من الاقتباسات الملونة، وأكثر ثراءً من المنشورات التحفيزية المنتشرة على الإنترنت. لذلك فإن أخطر النصائح ليست تلك التي نعرف أنها خاطئة، بل تلك التي تبدو صحيحة إلى درجة تجعلنا نتوقف عن التفكير فيها.
لهذا ربما تكون أهم نصيحة يمكن أن نأخذها في زمن امتلأ بالنصائح هي: **لا تُصدّق أي فكرة لمجرد أنها جميلة. اختبرها، وفكر فيها، وانظر إلى الواقع قبل أن تجعلها قاعدة تحكم حياتك.** فالجمل اللامعة قد تمنحك راحة مؤقتة، لكن التفكير النقدي وحده هو الذي يمنحك فهمًا حقيقيًا للعالم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى