لا تحاسبوا الحكومة وحدها… حاسبوا الدولة كلها

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

دخلت الحكومة مجلس النواب أمس لتُحاسَب، لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح لا يتوقف عند حكومة نواف سلام، بل يتجاوزها إلى الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها والقوى السياسية التي تعاقبت على إدارة البلد: من سيحاسب الدولة؟

نعم، حاسبوا الحكومة على قراراتها وأدائها، فهذا حق المجلس وواجبه، لكن لا تجعلوا منها شماعة لسنوات من الانهيار السياسي والاقتصادي والمؤسساتي، وكأن لبنان بدأ يوم دخلت هذه الحكومة إلى السراي. فمن شارك في إدارة البلد طوال السنوات الماضية لا يستطيع أن يقف اليوم في موقع القاضي الوحيد، لأن المسؤولية السياسية لا تسقط بمجرد الانتقال من مقعد السلطة إلى مقعد المعارضة.

لكن المشكلة ليست في المساءلة بحد ذاتها، بل في السؤال الذي يجب أن يأتي بعدها: ماذا بعد؟

فاللبناني لم يعد يريد جلسة تنتهي بالتصريحات والتراشق السياسي وتسجيل النقاط أمام الكاميرات كالعادة . يريد أن يعرف ماذا سيتغير بعد انتهاء الجلسة. يريد التزامات واضحة، ومواعيد محددة، ومسؤوليات معلنة، ومجلس نواب يعود ليسأل الحكومة: ماذا نُفّذ؟

فالمساءلة التي لا تتبعها رقابة ومحاسبة ليست سوى مشهد سياسي ينتهي بانتهاء الجلسة.

وهنا نصل إلى الملف الأكثر حساسية: السيادة.

إذا كانت الدولة تريد أن يكون قرار الحرب والسلم بيدها، فهذا من أساس قيام الدولة، لكن السيادة لا تكون انتقائية. لا يمكن أن نطالب اللبناني بتسليم قراره للدولة ثم نترك أرضاً لبنانية تحت الاحتلال والاعتداء، كما لا يمكن أن نقبل في الوقت نفسه بأن يبقى قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية أو أن يتحول السلاح إلى بديل دائم عن الدولة.

المعادلة التي يحتاجها لبنان واضحة: دولة تحمي أرضها وشعبها، تستعيد قرارها، تواجه الاحتلال، وتحفظ أمن حدودها، وفي الوقت نفسه لا تسمح لأي سلاح بأن يصبح بديلاً دائماً عن مؤسساتها.

ومن هنا، فليُسأل رئيس الحكومة والوزراء بوضوح: ماذا فعلتم لحماية الجنوب؟ ماذا فعلتم لوقف الاعتداءات؟ ماذا فعلتم لإعادة النازحين وإعمار ما تهدم؟ وماذا فعلتم حتى يصبح قرار الدولة فعلاً بيد الدولة؟

وليُسأل النواب أيضاً: ماذا فعلتم عندما كنتم في السلطة؟ من يتحمل مسؤولية سنوات الانهيار؟ ومن سمح للفساد بأن يصبح أقوى من القانون؟ ومن أوصل مؤسسات الدولة إلى هذا الضعف؟

هذه ليست أسئلة للمزايدة، بل لإعادة المسؤولية إلى أصحابها.

لبنان لا يحتاج إلى منتصر في مجلس النواب، بل إلى دولة تنتج نتائج. ولذلك يجب أن تتحول المساءلة إلى مسار واضح: سؤال، ثم قرار، ثم تنفيذ، ثم رقابة، ثم محاسبة.

كل وعد بلا موعد يبقى كلاماً، وكل قرار بلا تنفيذ يبقى حبراً على ورق، وكل تقصير بلا محاسبة يشجع على تكراره.

واللبناني لم يعد يريد أن يعرف من ربح المداخلة الأقوى أو من صرخ أكثر. يريد أن يعرف متى يصبح الجنوب آمناً، ومتى تعود الأرض إلى أهلها، ومتى تبدأ إعادة الإعمار، ومتى يصبح قرار لبنان قراراً لبنانياً.

لقد تعب الناس من حكومة تقول «ورثنا»، ومعارضة تقول «حذرنا»، وطبقة سياسية تتبادل المسؤوليات فيما الوطن يدفع الفاتورة.

لذلك، حاسبوا الحكومة، وحاسبوا المجلس، وحاسبوا كل من حكم وقرر وشارك وسكت، وحاسبوا أيضاً كل من يعتدي على لبنان ويحتل أرضه.

لا أحد فوق المساءلة، ولا أحد يستحق براءة مجانية.

نريد دولة لا تخاف من مواطنيها ولا تخضع لإملاءات الخارج؛ دولة تحمي حدودها، تصون كرامة شعبها، تفرض قانونها، وتمنع أن يتحول لبنان إلى ساحة لحروب الآخرين.

لا نريد منتصراً في جلسة الأمس. نريد لبنان منتصراً.

وعندما يصبح المسؤول معنياً بما سيُكتب في سجل التاريخ، لا بما سيُقال أمام الكاميرات، وعندما يدرك المواطن أن صوته لا يضيع بين التسويات، عندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ يستعيد عافيته.

فالوطن لا ينهض بالتصفيق، بل بالصدق والعمل والمحاسبة؛ ولا ينتصر فريق فيه، بل ينتصر لبنان كله.

وعندها فقط يصبح السؤال الحقيقي:

ليس: هل نجت الحكومة؟

بل: هل بدأت الدولة تنجو؟

وهل بدأ لبنان يستعيد نفسه؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى