الشرق الأوسط يدخل أخطر مراحله.. وواشنطن تواجه معركة استنزاف لم تكن في حساباتها، بينما تتغير موازين القوة تحت وقع التصعيد العسكري المتسارع


الشرق الأوسط يدخل أخطر مراحله.. وواشنطن تواجه معركة استنزاف لم تكن في حساباتها، بينما تتغير موازين القوة تحت وقع التصعيد العسكري المتسارع.
المشهد لم يعد مجرد تبادل للتهديدات، بل أصبح سباقاً مفتوحاً بين القدرة على الصمود والقدرة على فرض الإرادة. كل ساعة تحمل معها مؤشرات جديدة تؤكد أن المنطقة تقترب من مفترق طرق قد يعيد رسم خارطة النفوذ لعقود قادمة.
في واشنطن، بدأت أصوات القلق ترتفع من داخل المؤسسات الإعلامية والعسكرية. صحيفة نيويورك تايمز نقلت عن حلفاء للولايات المتحدة مخاوفهم من أن تتحول المواجهة مع إيران إلى هزيمة استراتيجية، مؤكدة أن الأهداف التي أعلنتها إدارة ترامب لم تتحقق حتى الآن، بينما أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز إلى تعميق الضغوط الاقتصادية والعسكرية، الأمر الذي اعتبره مراقبون خسارة استراتيجية وإحراجاً للولايات المتحدة.
وعلى الأرض، لا توحي التحركات العسكرية بأي اتجاه نحو التهدئة. سلاح الجو الأمريكي يواصل حشد قدراته بوتيرة غير مسبوقة، مع رصد عشرات طائرات التزود بالوقود في أجواء الشرق الأوسط، فيما تشير التقارير إلى أن واشنطن دفعت حتى الآن بأكثر من 113 طائرة تانكر لدعم العمليات الجوية، بالتزامن مع فتح قواعد عسكرية إضافية وتحريك قوات ومنظومات نحو مسارح العمليات.
هذه الأرقام لا تعكس استعداداً دفاعياً عادياً، بل تشير إلى بناء قدرة عملياتية تسمح بتنفيذ طلعات جوية مكثفة وعلى مدى زمني طويل إذا اتُخذ القرار السياسي بالتصعيد.
وفي المقابل، جاءت رسالة الجيش الإيراني مباشرة إلى دول المنطقة، مؤكداً أن الولايات المتحدة تحاول تحويل حلفائها إلى خطوط دفاع متقدمة لحماية قواتها وتعزيز أمن الكيان الإسرائيلي، داعياً دول المنطقة إلى إدراك طبيعة المرحلة وعدم الانجرار إلى معركة تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
أما داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، فتتزايد المؤشرات على حجم الاستنزاف. واشنطن بوست كشفت أن القائد الأعلى للقوات الأمريكية في أوروبا حذر البنتاغون من تراجع القدرة على مواصلة حماية إسرائيل بالصورة الحالية، نتيجة الضغط الكبير على المدمرات الأمريكية المنتشرة في البحر المتوسط والبحر الأحمر ومحيط إيران، إضافة إلى مشكلات الصيانة التي أثرت على جاهزية جزء من الأسطول.
هذا التحذير يعكس معضلة حقيقية تواجه واشنطن.. كيف تحافظ على التزاماتها العسكرية في أكثر من ساحة، دون أن تستنزف قدراتها الاستراتيجية أو تؤثر على جاهزيتها في مناطق أخرى من العالم.
وفي تطور سياسي لافت، أكد وزير الإعلام الأردني السابق سميح المعايطة أن أي محاولة لفرض تهجير قسري للفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن ستدفع عمّان إلى مراجعة معاهدة السلام، ولن تستبعد خيار المواجهة العسكرية إذا فُرض عليها هذا السيناريو.
هذه الرسائل، العسكرية والسياسية، تؤكد أن المنطقة لم تعد تقف أمام أزمة محصورة بين إيران والولايات المتحدة، بل أمام مشهد إقليمي واسع تتداخل فيه الحسابات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بحيث أصبح أي خطأ في التقدير قادراً على إشعال أكثر من جبهة في وقت واحد.
قراءة المشهد تقول إن معركة الإرادات دخلت مرحلة جديدة..
إيران تراهن على الاستنزاف والصمود وإرباك الحسابات الأمريكية، بينما تحاول واشنطن الحفاظ على هيبة الردع دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة لا تضمن نتائجها. وبين هذين المسارين، تقف المنطقة بأكملها أمام أيام قد تكون من أكثر الأيام حساسية منذ سنوات.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة..
هل ما نشهده هو ذروة الضغوط قبل العودة إلى طاولة السياسة.. أم أن المنطقة أصبحت بالفعل على بعد خطوة واحدة من مواجهة قد تغيّر وجه الشرق الأوسط كله؟
المنطقة تقف على حافة المجهول.. والساعة العسكرية تقترب من لحظة الصفر.
لم تعد التحركات مجرد مناورات روتينية، ولم تعد التحذيرات مجرد بيانات دبلوماسية معتادة. ما يجري اليوم يرسم مشهداً مختلفاً تماماً، عنوانه الاستنفار الشامل، فيما تتسارع المؤشرات على أن الشرق الأوسط يدخل واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات.
اللافت أن السفارات الأمريكية أطلقت، خلال ساعات قليلة، سلسلة تحذيرات متزامنة لرعاياها في الأردن ولبنان وإسرائيل ومصر وقطر والبحرين وسلطنة عُمان والإمارات والكويت والسعودية والعراق، داعية المواطنين الأمريكيين إلى الاستعداد لاحتمال إغلاق الأجواء، وتعطل حركة الطيران، ومغادرة المنطقة إذا اقتضت الظروف.
وعندما تصدر مثل هذه التحذيرات بهذا الاتساع الجغرافي وفي توقيت واحد، فإنها تعكس وجود تقديرات أمنية أمريكية تتوقع احتمال تصاعد التوتر، حتى وإن لم تعلن واشنطن عن طبيعة السيناريوهات التي تستند إليها هذه الإجراءات.
وفي المقابل، تتحرك إيران على الأرض بوتيرة متسارعة. تقارير متعددة تحدثت عن تحركات لوحدات مدرعة باتجاه الجنوب الغربي، إلى جانب نشاط عسكري ملحوظ في عدد من المناطق الحساسة، بينما تداولت وسائل إعلام مختلفة أنباء عن إجراءات أمنية وتحركات ميدانية قرب السواحل والجزر المطلة على الخليج، في ظل غياب تأكيد رسمي لبعض هذه المعلومات.
وفي أربيل، رُصدت حركة مكثفة لطائرات النقل والشحن الأمريكية، بالتزامن مع مؤشرات على إعادة تموضع لوجستي داخل بعض القواعد، وهو ما يفتح الباب أمام عدة احتمالات، من بينها تعزيز القوات أو تنفيذ عمليات إخلاء احترازية.
أما على المستوى العسكري، فتزداد المؤشرات على أن واشنطن وتل أبيب ترفعان مستوى الجاهزية، في وقت تتحدث فيه وسائل إعلام أمريكية عن احتمال توجيه ضربات جديدة ضد إيران إذا اتُخذ القرار السياسي بذلك.
لكن في الجهة المقابلة، لا تبدو طهران في موقع الانتظار.
رسائل المسؤولين الإيرانيين جاءت حادة، مؤكدين أن أي استهداف للمناطق المدنية أو للبنية التحتية الإيرانية سيقابله رد واسع، مع التشديد على أن المصالح الأمريكية في غرب آسيا قد تدخل دائرة الاستهداف إذا اندلعت مواجهة جديدة.
وفي تطور آخر، تتحدث تقارير عن تعرض سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال أثناء عبورها مضيق هرمز، بينما تتواصل التحذيرات من أن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ستكون له انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وحركة الملاحة الدولية.
كما أثار الانتباه إدراج مصر ضمن قائمة التحذيرات الأمريكية، وهي خطوة غير معتادة مقارنة بمحطات التصعيد السابقة، ما دفع بعض المراقبين إلى ربطها بمخاوف من امتداد تأثير أي مواجهة إلى خطوط الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، غير أن هذه التقديرات ما تزال في إطار التحليل ولم يصدر بشأنها إعلان رسمي.
وفي السياق ذاته، تداولت وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عن رصد نشاط عسكري غير اعتيادي داخل إيران، شمل تحركات لمنصات صاروخية وطائرات مسيّرة وإجراءات ميدانية مختلفة، مع الإشارة إلى أن جزءاً من هذه المعلومات منقول عن وسائل إعلام معارضة إيرانية، وهو ما يستدعي التعامل معها بحذر لحين التحقق منها من مصادر مستقلة.
المشهد اليوم لا تحكمه البيانات السياسية، بل تحكمه حركة الجيوش، وانتشار المنظومات، ورفع درجات التأهب، وتحذيرات السفارات، وإعادة التموضع العسكري في أكثر من جبهة.
وكل ذلك يوحي بأن المنطقة تعيش سباقاً بين خيارين لا ثالث لهما… إما أن تنجح الضغوط السياسية في احتواء الموقف خلال الساعات المقبلة، أو أن تنزلق المنطقة إلى مواجهة أوسع ستتجاوز آثارها حدود الشرق الأوسط لتطال الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والملاحة الدولية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه…
هل نحن أمام حرب نفسية متبادلة هدفها فرض معادلات ردع جديدة؟ أم أن عقارب الساعة اقتربت بالفعل من لحظة الانفجار العسكري؟