الموت يجمع الورثة.. والميراث يفرقهم ولا عزاء لقطيعة الرحم

بقلم: أيمن عزالدين
من أكثر المشاهد المؤسفة التي تستحق التوقف أمامها، أن يتحول الميراث في بعض البيئات الريفية من فريضة شرعية وحق معلوم إلى ساحة للخلاف والخصومة وقطع الأرحام، حتى أصبح البعض يتعامل مع تركة الميت بمنطق: من يضع يده أولًا على المال فهو صاحبه،
والأشد ألما أن تسمع من يقول لأخواته البنات: أنتن لا ترثن.. المال لا يخرج من العائلة، أو البنت تأخذ نصيبها من زوجها، وكأننا نصنع شريعة جديدة وفق اهوائنا، ونمنح انفسنا حق تعديل ما فرضه الله معاذ الله.
وهنا لا بد أن نقولها بوضوح: الميراث ليس عرفًا ريفيًا، ولا عادة عائلية، ولا اتفاقًا بين الإخوة؛ إنه فريضة شرعية حدد الله أنصبتها، وليس لأحد أن يزيد فيها أو ينقص منها وفقًا لهواه.
وقد فصل القرآن الكريم أحكام المواريث تفصيلًا دقيقًا في سورة النساء، ثم قال سبحانه بعد بيان هذه الأحكام:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾
شرع الله الميراث لإقامة العدل، وحفظ الحقوق، وتنظيم انتقال أموال المتوفى إلى مستحقيها، ومنع التنازع والظلم بعد وفاته.
وهي رسالة واضحة بأن الأمر ليس متروكًا لأهواء البشر ولا لعادات العائلات.
فلا يحق للأخ الأكبر أن يستأثر بالتركة لأنه الأكبر، ولا لمن كان يدير الأرض أو الأموال أن يعتبرها ملكًا له، ولا للابن الوحيد بين أخواته أن يقرر أن شقيقاته لا حق لهن.
القرابة لا تمنح أحدًا حقًا ليس له، والقوة لا تسقط حقًا لغيره.
«البنات لا ترث».. أي شريعة هذه؟
من أخطر العادات التي لا تزال موجودة في بعض البيئات، حرمان البنات من الميراث بحجج واهية، مثل: «البنت ستتزوج»، أو «مالها سيذهب إلى رجل غريب»، أو «نحن أولى بمال أبينا».
والحقيقة أن هذه ليست مجرد عادة اجتماعية خاطئة، وإنما اعتداء على حق شرعي ثابت.
وقد أكدت دار الإفتاء المصرية أن حرمان المرأة من ميراثها من كبائر الذنوب، كما تستقبل دار الإفتاء المترددين عليها لبيان أنصبة الورثة الشرعية، والمساعدة في تقسيم الميراث وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.
والأمر لا يتعلق بالبنات وحدهن؛ فكل وارث له نصيب شرعي، يتحدد وفق حالة الأسرة والورثة الموجودين وقت الوفاة، وليس وفق ما جرى عليه العرف أو ما يراه الأقوى داخل العائلة.
ومن المؤلم أن بعض الأسر لا تبدأ خلافاتها على الميراث بعد سنوات من وفاة الأب أو الأم فقط، بل تبدأ أحيانًا منذ الساعات الأولى للوفاة.
هذا يريد الأرض، وذاك يريد البيت، وثالث يخفي مستندًا، ورابع يؤجل القسمة بحجة “لسه بدري”.
ثم تتحول الأيام إلى شهور، والشهور إلى سنوات، ويتحول الأخ إلى خصم، والأخت إلى غريبة، وتضيع في الطريق أجمل كلمة في الأسرة: صلة الرحم.
والأغرب أن بعض من يستولي على حق إخوته يظن أنه انتصر!
أي انتصار هذا الذي يكون ثمنه ظلم أخت أو قطيعة أخ؟
والقانون أيضًا يقول: لا
لم يترك القانون المصري هذه التجاوزات بلا عقاب.
فالمادة 49 من قانون المواريث رقم 219 لسنة 2017 تجرّم الامتناع عمدًا عن تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعي، وكذلك حجب سند يؤكد نصيبه أو الامتناع عن تسليمه عند طلبه وفقًا للقانون، وتقرر عقوبات تشمل الحبس والغرامة.
وهذا يعني أن من يتعامل مع حرمان أحد الورثة على أنه “موضوع عائلي” عليه أن يعيد حساباته.
فما كان يُغلق قديمًا داخل جدران البيت يمكن أن يصل اليوم إلى ساحات القضاء.
قد يستطيع الإنسان أن يخفي ورقة، أو يؤجل القسمة، أو يمارس ضغطًا على أخته حتى تتنازل، أو يستولي على أرض سنوات طويلة.
لكن لا يستطيع أن يخفي شيئًا عن الله.
قال تعالى:
﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾
[النساء: 14]
يتداول الناس أحيانًا قصصًا عن أشخاص ظلموا غيرهم في الميراث، ثم كانت خاتمة حياتهم مؤلمة بسبب اكل الميراث
وهنا يجب أن نكون منصفين: لا يجوز أن نجزم بأن سوء خاتمة شخص بعينه كان عقوبة بسبب أكل الميراث؛ فهذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
لكن هذه المشاهد، حين تقع، ينبغي أن تكون عبرة للأحياء، لا مادة للتشفي.
فكم من إنسان ظل يجمع المال ويخاصم عليه، ثم جاء الموت في لحظة واحدة، فترك الأرض لمن كان يمنعهم منها، والبيت لمن كان يحرمهم منه، والمال لمن كان يتقاتل عليه.
وفي النهاية، لم يأخذ معه إلا عمله.
فماذا ستقول أمام الله؟
ما قيمة أرض جمعتها إذا كان ثمنها دمعة أختك؟
وما قيمة بيت واسع إذا كان قائمًا على ظلم أخيك؟
وما قيمة المال إذا كان سببًا في قطع رحمك؟
لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن العبد يُسأل عن ماله: من أين اكتسبه وفيم أنفقه.
ولهذا فإن الميراث ليس مجرد حسابات وأرقام وأنصبة، إنه اختبار حقيقي للأمانة والتقوى.
أن تعطي أختك حقها وأنت قادر على منعه… تلك تقوى.
أن ترد لأخيك حقه وأنت قادر على الاستيلاء عليه… تلك أمانة.
أن تختار صلة الرحم بدلًا من حفنة مال… تلك هي الرجولة الحقيقية.
فنحن جميعا عابرون ضيوف على هذه الأرض.
الأرض التي تتقاتلون عليها اليوم سيزرعها غيركم غدا.
والبيت الذي تخاصمتم عليه سيسكنه غيركم.
والمال الذي حرمتم به أخًا أو أختًا سيُقسم بعدكم دون أن تستأذنوا.
فلا تجعلوا الميراث سببًا لهدم البيوت، ولا تجعلوا العادات أقوى من شرع الله، ولا تحولوا الأخوة إلى خصومة من أجل مال زائل.
الميراث فريضة.. وليس صفقة.
وحق البنت ليس مِنة من أخيها.
وحق الأخ ليس غنيمة لأخيه.
وختاما، ما قيمة ميراث جمعناه بأيدينا، وخسرنا بسببه أهلنا وقطعنا أرحامنا واغضبنا ربنا ؟