الإمارات وإسرائيل: حين تسقط الأقنعة وتفشل مليارات التجميل الإعلامي

✍🏻 بقلم : خالد رويحة 

في عالمٍ تحكمه الصورة بقدر ما تحكمه القوة، تبدو بعض الأنظمة مستعدة لحرق المليارات فقط كي تُقنع الناس بأنها “واحة سلام” أو “نموذج حضاري” أو “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. لكن المشكلة التي لا يفهمها محترفو العلاقات العامة، أن الدم حين يسيل لا تستطيع الكاميرات إخفاء رائحته، وأن الشعوب قد تُخدع مؤقتاً، لكنها لا تنسى من موّل الحروب، ومن صمت على المجازر، ومن حوّل البشر إلى أوراق ضغط في لعبة المصالح.

اليوم، هناك دولتان تحديداً تواجهان انهياراً متسارعاً في صورتهما أمام الرأي العام العالمي: كيان الاحتلال الإسرائيلي، والإمارات. الفارق فقط أن إسرائيل تمارس القتل بشكل مباشر وواضح، بينما تحاول أبوظبي الظهور بثوب “الدولة الهادئة” التي تتحدث عن التسامح والانفتاح، بينما تتحرك في الخلفية كغرفة عمليات مالية وسياسية لإدارة النفوذ والابتزاز.

نتنياهو نفسه خرج معترفاً بانهيار صورة إسرائيل لدى الشباب الأمريكي وارتفاع التعاطف مع الفلسطينيين. هذا الاعتراف ليس تفصيلاً عابراً، بل زلزال سياسي وإعلامي داخل الغرب نفسه. فإسرائيل التي سخّرت الإعلام والمؤثرين والمنصات واللوبيات، وأنفقت المليارات لتسويق روايتها، اكتشفت أن صور الأطفال المحترقين في غزة أقوى من كل حملات التجميل.

في المقابل، تستمر المؤسسات الغربية الرسمية في الانحياز الواضح. إعلام ضخم يبرر، ومنصات تخفي، وحكومات تتحدث عن “حقوق الإنسان” ثم تغض الطرف عن المقابر الجماعية. حتى حين يفوز فيلم فلسطيني يوثق معاناة أطباء غزة بجائزة عالمية كبرى، تتردد مؤسسات إعلامية غربية في عرضه كي لا تُغضب إسرائيل. هنا تتكشف حقيقة المعايير المزدوجة التي يتغنون بها صباح مساء.

الأكثر إثارة للغضب أن بعض الساسة الإسرائيليين لم يعودوا حتى يحاولون إخفاء خطابهم المتطرف. شخصيات متهمة بالتحريض والكراهية ما تزال محمية سياسياً ودبلوماسياً، بينما يُلاحق أي صوت متضامن مع فلسطين في الجامعات والمنصات وحتى ملفات الهجرة داخل الولايات المتحدة. أصبح المطلوب من كثيرين في الغرب ألا يكتفوا بالصمت، بل أن يصفقوا أيضاً.

أما الإمارات، فقد دخلت مرحلة أكثر خطورة، لأنها لم تعد تكتفي بإدارة النفوذ المالي أو التدخل السياسي، بل بدأت تُتهم باستخدام الاقتصاد كسلاح عقابي ضد الشعوب نفسها. التقارير المتداولة حول التضييق على العمالة الباكستانية بعد تحركات إسلام آباد الدبلوماسية فتحت باباً واسعاً للحديث عن “الإرهاب الاقتصادي”، وعن تحويل لقمة العيش إلى أداة ابتزاز سياسي.

تخيل المشهد: ملايين البشر يعملون لسنوات من أجل إعالة أسرهم، ثم يصبح مصيرهم معلقاً بقرار سياسي أو مزاج دولة غاضبة من وساطة أو موقف دبلوماسي. هنا لا يعود الأمر خلافاً سياسياً، بل يتحول إلى عقاب جماعي يمس حياة الناس اليومية وأرزاقهم واستقرار أسرهم.

وهذا ما جعل صورة الإمارات تتعرض لتآكل متسارع في وعي قطاعات واسعة من الشارع العربي والإسلامي. فالصورة التي حاولت أبوظبي رسمها لنفسها باعتبارها “عاصمة التسامح” بدأت تصطدم بأسئلة ثقيلة: كيف يمكن لدولة تتحدث عن الإنسانية أن ترتبط أسماؤها بالحروب والضغوط الاقتصادية والصراعات الإقليمية؟ وكيف يمكن إقناع الناس بخطاب السلام بينما تتزايد الاتهامات بالتدخل في ملفات دموية من السودان إلى ليبيا إلى اليمن؟

المفارقة الساخرة أن مليارات الدعاية لا تستطيع دائماً شراء الاحترام الحقيقي. قد تشتري صمت بعض القنوات، وقد تلمّع بعض المؤثرين، لكنها لا تستطيع محو الذاكرة الجماعية للشعوب. لهذا تجد أن إسرائيل، رغم الدعم الغربي الهائل، ما تزال تخسر صورتها أمام أجيال جديدة باتت ترى المشهد بعيداً عن الرواية التقليدية. والإمارات تسير في الاتجاه ذاته، لأن النفوذ المالي وحده لا يكفي لبناء صورة محترمة إذا كانت الوقائع على الأرض تقول شيئاً آخر.

المشهد العالمي اليوم يتغير بسرعة. الشعوب لم تعد تتلقى الرواية الرسمية كما كانت تفعل سابقاً. وسائل التواصل، رغم فوضاها، كسرت احتكار الصورة والخبر. وأصبح طفل يحمل هاتفاً في غزة قادراً على فضح روايات كاملة كانت تُصنع في أكبر غرف الأخبار الدولية.

لهذا، يبدو أن معركة الصورة أصبحت أخطر من معركة السلاح نفسها. لأن الدولة قد تنتصر عسكرياً وتنهار أخلاقياً في أعين العالم، وحين تنهار الصورة، يبدأ السقوط الحقيقي ولو تأخر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى